Thursday, January 5, 2012

فلسفة العقوبة فى مصر

      يقول البعض أن السجون هى مرآة للمجتمعات، فالسجون إلى مدى كبير تكشف طبيعة المجتمعات وأخلاقها؛ فإذا امتلأت السجون بالأبرياء فأنت أمام نظام قضائى ظالم، وإذا امتلأت بالسياسيين والثوار فأنت أمام حاكم مستبد، وإذا كان المساجين يلقون معاملة إنسانية، كان هذا دليل على ارتفاع مستوى حقوق الإنسان فى الدولة، والعكس صحيح، وإذا كان المساجين يخرجون للمجتمع أشخاصاً أفضل فهذا مؤشر على أن الإدارة السياسية تقود البلاد للأمام، أما إذا كانوا يخرجون من السجون أشخاصاً أسوأ فهذا مؤشر على أن الإدارة السياسية تقود المجتمع نحو الانحدار.
      قد قاربت على إتمام 8 شهور فى السجون حتى الآن، وطوال هذه الشهور التقيت ما لا يقل عن 300 مسجون، استمعت لمئات القصص الحقيقية والكاذبة عن المساجين والأحكام القضائية وأساليب التعامل داخل السجون… كنت العام الماضى كتبت مقالاً بعنوان ”احنا شعب إرهابى“، تعرضت فيه لفكرة الإرهاب أو التخويف فى طريقة اختيار العقوبات القانونية. إلا أن الخبرة الحياتية التى عشتها داخل السجن لفتت انتباهى لخصائص أخرى لفلسفة العقوبة فى مصر، أرغب فى أن أضعها أمام الجميع حتى يثار حولها حوار اجتماعى لنحدد كمصريين: هل هذه هى الطريقة التى نريد أن تسير بها منظومتنا القانونية؟ وهل هذه الأساليب تقودنا للأمام أم للخلف؟

 1-   عقوبة إرهابية
العقوبات فى مصر عقوبات إرهابية. إرهابية بمعنى أنها قاسية جداً بهدف تخويفك من ارتكاب الجريمة… هناك علم أكاديمى اسمه ”علم الجريمة“ (criminology)، وهو علم يدرس أسباب الجريمة النفسية والمادية والاجتماعية والسياسية، ويدرس كيفية القضاء على منابع الجريمة وكيفية محاربتها بأسلوب علمى.
لكن أثناء وجودى بالمحكمة العسكرية وبعدها السجن، لاحظت كم أن العقوبات لدينا قاسية جداً، فالقاضى يحكم على الشخص بعدد من السنوات سجنا ببرود شديد، كأنه يتحدث عن أسابيع أو أيام. فقضيتى مثلاً، حيث تم الحكم على بثلاث سنوات لمجرد أنى نقدت سلوكيات الجيش، حتى لو كنت أخطأت فى حق الجيش، لا تزال مدة العقوبة مبالغ فيها جداً، بالمقارنة بتصنيف الجريمة. نفس الشىء يقال عن الذين حكم عليهم الجيش لسنوات طويلة بسبب كسر حظر التجول أو اتهامات بسيطة لا تستحق هذه العقوبات المبالغة. عقوبة الإعدام أيضاً والتى تم إلغائها فى أوروپا ومعظم الدول الديموقراطية، لا تزال تطبق فى مصر على جرائم القتل والإتجار بالمخدرات والاغتصاب والتجسس… فكرة التخويف (الإرهاب) فى التشريع المصرى، هو أن الجريمة التى تعاقب عليها الدول الديموقراطية بالغرامة، يعاقب عليها التشريع المصرى بالحبس، وما تعاقب عليه فى الدول الديموقراطية بالحبس، يعاقب عليه التشريع المصرى بالسجن أو الإعدام، ولا مانع فى التوسع فى الأحكام (يوجد مساجين محكوم عليهم بأكثر من 100 سنة سجن!). فالمشرع المصرى يريد تخويف المواطنين وإرهابهم، ويظن أن تغليظ العقوبة سيمنع الناس من ارتكاب الجرائم.
      المشكلة أن الدولة لا يُفترض أن تقوم بإرهاب مواطنيها، والحاكم المنتخب ديموقراطياً لا يستطيع أن يلعب دور ”المستبد العادل“. كما أنا الجريمة لها دوافع مادية واجتماعية، يجب معالجتها للقضاء على الجريمة، ولن يجدى التخويف معها شيئاً. فمعدل الجريمة فى الولايات المتحدة لازال أعلى من أوروپا، على الرغم من أن الولايات المتحدة تطبق عقوبة الإعدام، وأوروپا لا تطبقه، فالخوف من الإعدام لم يقلل الجريمة فى أمريكا، بينما معالجة أسباب الجريمة قللت من معدل الجرائم فى أوروپا.

 2-   عقوبة انتقامية
الحياة داخل السجن تشعرنى أننا أشخاص يرغب المجتمع فى الانتقام مننا. فى السجن يتم حرمانك من كل شىء، ليس فقط حريتك فى الحركة، بل من كرامتك وإنسانيتك، سوء المعاملة والتعذيب وهتك العرض والتفتيش المتعسف، هى روتين يومى داخل السجن، حرمان من استخدام التليفون أو الكومپيوتر مع معظم الاختراعات التكنولوجية. كل شىء تحصل عليه داخل السجن يكون بعد سلسلة طويلة من التصاريح. لا يسمح باستقبال زوار لرؤيتك إلا مرتان شهرياً، كل واحد منهم نصف ساعة (24 مرة سنوياً - أى 12 ساعة فى العام). تخيل شخص لا يسمح له بالحديث أو رؤية أسرته وأصدقاؤه إلا 12 ساعة فقط (نصف يوم) فى العام، وكأن السجن هو وسيلة لنزع إنسانية ومعها كل الروابط الإنسانية والاجتماعية التى يحتاجها الإنسان لكى يعيش. فى السجن يتم تعطيل عملك، وقد تخسر أسرتك أو أملاكك، وفى النهاية تخرج موصوماً بتصنيف ”سجين سابق“ ليعاقبك المجتمع بعد انتهاء فترة عقوبة السجن… السؤال الذى أسأله لنفسى باستمرار: ماذا فعل أغلب المساجين هنا ليستحقوا هذه المعاملة؟ هل الشخص الذى تعثّر فى سداد ديونه أو الذى تخلف عن الخدمة العسكرية ارتكب ما يستحق هذا العقاب؟ وحتى اللصوص أو القتلة، ما الفائدة الذى يجنيها المجتمع من إساءة معاملتهم؟ وهل يتم سجنهم لكى يتم حماية المجتمع من أخطائهم أم لتعذيبهم والانتقام منهم؟ وهل أسلوب المعاملة هذا يساعد على بناء شخصية سوية لتخرج تتعامل فى المجتمع وتشارك فى بناءه، أم أن هذه الأساليب تحول السجين لشخصية مشوهة نفسياً، تخرج لتنتقم من المجتمع أكثر وأكثر؟ هل السجن ”إصلاح وتأديب“ أو”تعذيب وتفريغ للرغبات السادية للمجتمع“؟

 3-   انتقائية
القانون فى مصر لا يُطبق إلا على مزاج الحاكم. فهناك ألوف الأشخاص انتقدوا الجيش على الإنترنت، إلا أنه لم يسجن بتهمة ”إهانة الجيش“ غيرى. هناك ألوف المدونين نقدوا مبارك بعنف فى السنوات الماضية، إلا أنه لم يحكم على أحد بالسجن سوى على ”كريم عامر“. لم يطبق قانون ”تجريم الحديث عن صحة الرئيس“ إلا على إبراهيم عيسى (الذى شاء الحاكم ألا بسجن فى النهاية)… لا أعرف كيف يكون قانوناً، النص الذى يجرم سلوكك ويترك جميع الذين يخالفون هذا النص، وينتقى من بين الجميع شخص معين ليطبق عليه العقوبة. ربما لو تم تطبيق القانون الظالم على الجميع، يشعر المجتمع بظلمه وينتفض ضده، إلا أن انتقاء من يتم تطبيق عليهم القانون ومن يتجاوزهم القانون ويتظاهر أنه لا يراهم، هو نوع من الظلم المجحف، كما أنه لا يؤدى إلى تقلق معدل الجريمة. فالشخص إذا شعر أن القانون لا يُطبق، لن يلتزم به، وتاجر المخدرات الذى يشعر أن القانون لا يطبق إلا على من تغضب عليه الشرطة، سيسعى لاسترضاء الشرطة وليس الالتزام بالقانون، ورجل الأعمال الذى يشعر أن كل رجال الأعمال لا يستطيعون أن يمارسوا أعمالهم بدون تجاوزات مالية وأن القانون لا يعاقب إلا من يغضب عليه الحاكم، سيحاول استرضاء الحاكم وليس الالتزام بالقانون.

 4-   قمعية
النظام القانونى فى مصر يقمع حريات الأفراد، فكل سلوك تقريباً مُجرّم، والقانون عندنا يجرم الكثير من السلوكيات الغير إجرامية فى طبيعتها (جرائم الرأى والنشر – رفض الخدمة العسكرية – التبنى – التعثر المالى…). كما أنه يعاقب بالسجن على جرائم لا تستحق السجن (مثل الخيانة الزوجية والمخالفات المرورية ومعظم قضايا الأموال العامة وغيرها)… المشكلة فى مصر أن القانون ذاته غير عادل، فماذا ستفعل إذا كان القانون بطبيعته ظالم؟ ماذا ستفعل إذا كان كل سلوك له قانون يجرمه؟ فى كليات القانون يرددون قاعدة تشريعية تقول ”كثرة القوانين دليل الفساد“ فكلما كان للدولة قوانين كثيرة كان هذا دليلاً على فساد النظام التشريعى. والقانون فى مصر ليس إلا مثال على ذلك، فهو تحول إلى أداة من أدوات السلطة لقمع المواطنين وقهرهم وإضفاء شكل قانونى شرعى على سلوكيات السلطة القاهرة لمواطنيها.

 5-   تمييزية
على المحاكم يرسمون صورة العدالة كامرأة معصوبة العينين تحمل ميزان، فالمفروض أن العدالة عمياء بمعنى أنها تصور الكم على الشخص دون أن تنظر للونه أو دينه أو معتقده أو جنسيته أو مركزه الاجتماعى أو أى اعتبارات أخرى… لا يخفى على أحد أن العدالة فى مصر ليست عمياء، بل تبنى أحكامها على مقاس الشخص الواقف أمامها، فالمسيحى غير المسلم غير اليهودى أمام القضاء، والمتحول دينياً ينال حكماً حسب الاتجاه الذى يتحول إليه، والعنى غير الفقير، ورجل النظام غير المغضوب عليه من النظام، والوزير غير الغفير، وضباط الشرطة غير المواطن العادى، وضابط الجيش لا يحاكم إلا أمام محكمة عسكرية متخصصة فى تفصيل الحكم على مقاسه… إن العدالة فى مصر تلبس نظارة تمكنها من أن ترى ما تقدمه لها من ترغيب وتهديد لتحديد ماهية الحكم.

 6-   عرفية
العالم به نظامان قانونيا رئيسيان: النظام القضائى الفرنسى الذى يلتزم بالنصوص والنظام القضائى الأنجلو سكسونى القائم على تطوير القضاء العرفى… إلا أن النظام القضائى فى مصر هو نظام عرفى بمعنى يختلف عن النظام الأنجلو سكسونى، فالنظام البريطانى الأمريكى هو عرفى بمعنى أنه يضع اعتبار كبير للسوابق القضائية، والأحكام التى صدرت فى الماضى. أما القضاء المصرى هو عرفى بمعنى أن القاضى تقريباً يحكم على هواه، فواضح القانون حينما نص على العقوبات يضح أما القاضى مساحة كبيرة من الاختيارات، بداية من الغرامة حتى السجن لفترة طويلة، كما أن القاضى يمكن أن يضيف اتهامات جديدة ويمكنه أن يزيل اتهامات قائمة، ويمكنه أن يحكم بحكم مع إيقاف تنفيذه، وفى كل الأحوال لا يوجد أى سلطة فى الكون تراجع القاضى فى حكمة ويمكنها أن تحاسبه إذا رأت أنه كان ظالماً فى حكمة` الخلاصة أنك إذا وقعت أما قاضى فإن مصيرك بأكمله أصبح فى يد هذا القاضى، وهو وحده وليس القانون وليس براءتك وليس حقك هو الذى سيحدد مصيرك.

*   عن العقوبة العادلة أتحدث
العقوبة فى مصر: إرهابية، انتقامية، انتقائية، قمعية، تمييزية، وعرفية. وكل هذه من صفات العقوبات الظالمة التى تميز الدول الظالمة. ولأن ”الله لا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة“ كما قال أحد الفقهاء، فالظلم يخلخل الأسس الاجتماعية للدولة ويبرز فيها عوامل انهيارها اضمحلالها.
فى رأيى، العقوبة العادلة يجب أن يتوافر فيها 4 صفات:
    1-   العدالة الموضوعية
بمعنى أن العقوبة تكون موجهة نحو سلوك إجرامى فى طبيعته، وأن نوع العقوبة يتناسب مع طبيعة الجريمة، وأن القانون يطبق بنفس الدرجة على جميع المواطنين بدون تمييز، وأن هناك معايير موضوعية تحدد حجم العقوبة.
    2-   هدف العقوبة هو حماية المجتمع
بمعنى أن الهدف من العقوبة هو حماية المجتمع وليس الانتقام من الجانى. فنحن نسجن السارق ليس انتقاماً منه وإنما لنحمى الآخرين منه، وهكذا. يجب أن نتخلى عن غرائزنا السادية الانتقامية، ويصير الدافع فى الحكم هو تأمين المجتمع وليس تصفية حسابات مع شخص أو محاولة لتوقيع أقصى عقوبة عليه لإرضاء الطرف الآخر فى النزاع.
    3-   العقوبة يجب أن تشمل على إعادة تأهيل
ماذا سنستفيد إذا سجننا السارق لبضع سنوات ثم خرج من السجن ليعود للسرقة أيضاً؟ لا شىء، فنا نحن لم نحمى المجتمع من ضرره وإنما أجلنا الضرر بضع سنوات. المفترض أن تشتمل العقوبة (سواء كانت بالسجن أم أى عقوبة أدنى) برنامج تأهيلى يساعد الشخص المدان على تخطى الظروف التى قادته للجريمة ويستطيع بناء مهارات حياتية تؤهله للاندماج من جديد فى المجتمع كشخص فاعل يحترم القانون ويساهم فيه.
    4-   النظر لفائدة المجتمع
يجب أن تكون العقوبة مفيدة للمجتمع بأكبر قدر ممكن. فحينما يتم الحكم على شخص بالغرامة ستدخل نقوده لميزانية الدولة، بينما حينما يتم الحكم على شخص بالسجن، سنأخذ من ميزانية الدولة لننفق عليه داخل السجن. كثير من الجرائم التى لو تم الاكتفاء فيها بالغرامة كعقوبة، سيفيد المجتمع من عدم سجنهم، خصوصاً الأشخاص الذين لهم وظائف وأعمال ولم يرتكبوا سلوكيات تضر الآخرين مادياً. أيضاً يجب استحداث بعض العقوبات الموجودة فى الدول الديموقراطية مثل الحكم بعدد من ساعات الخدمة الاجتماعية أو الخدمة العامة، وبذلك يتم تحويل الشخص من سجين يعيش عالة على الدولة لشخص يوجه طاقته لخدمة المجتمع ويساهم فى تخفيف معاناة الآخرين.

*   خاتمة
كنت أتمنى أن يقول هذا الكلام شخص غيرى من عقود، لكن لا أعانى أنا اليوم فى السجون المصرية ما أعانيه اليوم… ولكن هذا هو التاريخ، أن نعانى نحن لكى يستريح من سيأتى بعدنا!
      القانون قد يطبق عليك يوماً، فاحرض على أن يكون فى أفضل وأعدل صورة ممكنة؛ والسجون قد تضطر لدخولها يوماً أنت أو أحد أعزائك، فاحرص على أن تكون إنسانية بقدر المستطاع.

مايكل نبيل سند
سجن المرج العمومى – مستشفى السجن
2011/11/18
بعد 88 يوم إضراب عن الطعام

* روابط خارجية
- بلال فضل – اللهم ارزقنا سجون النرويج        (التحرير – 2011/11/16)
- بلال فضل – التجربة النرويجية            (التحرير – 2011/11/17)

No comments: