Thursday, October 27, 2011

منطقة عسكرية…ممنوع الاقتراب أو التصوير - جهل الجيوش فى عصر ما بعد الحداثة


 إهداء:-
أهدى هذا المقال للزميلة سحر ماهر، التى ستحاكم غداً بتهمة تصوير منشاة عسكرية… وأهديها لكل من دفعوا تضحيات نتيجة لجنون الاضطهاد الذى يعانى منه عسكر الدول الاستبدادية. وأتمنى أن يكون مقالى هذا خطوة فى طريق تحرر الإنسانية من القيود التى يفرضها العسكر على الحريات الفردية والعامة.

المشهد الأول: سوريا – يوليو 2006
      كنت وقتها فى الأيام الأولى لى فى مدينة ”دير الزور“… تركت زملائى وأخذت أتجول فى المدينة بمفردى… رأيت كنيسة، فدخلتها وسألت عن مواعيد الصلاة (كنت لا أزال مسيحياً وقتها)، وبمجرد خروجى من الكنيسة أخردت النوتة من جيبى وبدأت أدون فيها مواعيد الصلاة بالكنيسة أثناء سيرى فى الطريق.
فوجئت وقتها باثنان من جنود الجيش السورى يستوقفونى، ويسألونى أسئلة كثير عن هويتى وماذا أفعل هنا وعن المفكرة التى فى يدى، وأصروا على أخذها والاطلاع على ما أكتبه فيها… المهم أنى بعد أن سمحوا لى بالرحيل، اكتشفت أن جدار الكنيسة ملاصق لمنطقة عسكرية (رغم أننا فى وسط المدينة تقريباً)، وأن هناك لافتة كبيرة معلقة على السور ”منطقة عسكرية – ممنوع الاقتراب أو التصوير“، وطبعا اعتبر نفسى مولود من جديد فى ذلك اليوم، لأنى أعلم وحشية ودموية الجيش البعثى السورى، ولأن مفكرتى كانت تحوى العديد من المعلومات التى دونتها من سوريا وطوائفها وأوضاعها السياسية وعلاقاتها الدولية؛ ولولا أنى استطعت تشتيت انتباه الجنود السوريين لكنت أحتل الآن مكاناً مميزاً فى وراء الشمس السورى بدلاً من المصرى الذى أعيشه الآن.
      بعدها بحوالى العام قرأت تقرير لكاتب مصرى، يعلق على سياسات النظام البعثى السورى تجاه إسرائيل، وذكر الكاتب أنه استخدم برنامج ”Google Earth“ لمراجعة خرائط سورية، وفوجئ بكل المواقع العسكرية السورية وخصوصاً فى الجنوب مكشوفة بدون تغطية، والدبابات والطائرات معروضة بدون أغطية خرسانية تخفيها وتحميها، وكأن سوريا تقدم سلاحها على طبق من ذهب للطيران الإسرائيلى لتقصفه فى خلال دقائق… لذلك لا عجب من فشل الجيش السورى فى كل حروبه مع إسرائيل.

المهم أنى ضحكت كثيراً بعد قراءة هذا المقال… فسوريا يحكمها نظام أبله يترك قطعه العسكرية بدون تغطية، وفى نفس الوقت يضع منطقة عسكرية غير هامة فى أهم شوارع دير الزور، ويتوجس من شاب صغير يكتب فى مفكرته وهو يسير فى الشارع، تحت ذريعة أن هذه منطقة عسكرية يجب الحفاظ على سريتها عن المواطنين لكن لا مانع للأقمار الصناعية الأمريكية والإسرائيلية من تصويرها.

المشهد الثانى: إدارة الشئون النفسية والمعنوية – ابريل 2010
      كنت قد رويت هذه القصة حينما رويت قصتى مع التجنيد الإجبارى فى سلسلة المقالات المعنوية ”يوميات ضابط فى الجيش المصرى“.
الذى حدث أنه بعد الكشف الطبى علىّ فى منطقة تجنيد أسيوط، أرادت وزارة الدفاع ومعها المخابرات الحربية أن يقوموا بعمل تحليل نفسى لى، حتى يستخدموا نقط ضعفى ضدى وضد حركة لا للتجنيد الإجبارى. فاخترعوا قصة لطيفة أخذونا على إثرها لإدارة الشئون النفسية والمعنوية، وعرضوا علينا فيلم قصير مع عرض presentation عن إدارة الشئون النفسية والمعنوية ومهامها.
كنت قد أدركت لعبتهم منذ اللحظات الأولى، واتخذت الخطوات الكافية لمنعهم من الوصول لأى تقييم لشخصيتى، ولكنى أردت أن أضرب ضربة استعراضية أمام الشباب الموجود، أكشف فيها لضباط الجيش مدى تهالك وتهلهل دعايتهم. فطلبت الكلمة وسألتهم: ”انتم عرضتم علينا عرض جميل جداً، وأنا استمتعت به، وسعيد ان الجيش المصرى بدأ ياخد بمعايير الحرفية والأكاديمية بدلاً من الفوضوية فى الأداء، ولكن لدىّ استفسار وهو: ”كيف تعرضون علينا هذه المعلومات العسكرية مع إحصائيات بالعاملين فى الإدارة وتخصصاتهم وصور وأسماء بعضهم، رغم أننا شباب مدنيون لا يعرف أحد إلى من سينقلون هذه المعلومات العسكرية السرية؟“
      سؤالى أحدث ارتباكاً كثيراً بين قيادات الإدارة الحاضرين، لأنه ببساطة يعنى ”انهم مش عارفين يقوموا بشغلهم“، وشجع باقى الشباب على طرح تساؤلاتهم ومهاجمة فلسفة الجيش المصرى، وأخيراً تسبب سؤالى فى عدم عرض هذه العروض مرة أخرى على دفعات الشباب الذين تم إحضارهم لإدارة الشئون النفسية والمعنوية بعدها.
رد ضابط إدارة الشئون النفسية والمعنوية وقتها تلخص فى ثلاث نقاط هى نفسها التى كنا نرددها نحن فى حركة لا للتجنيد الإجبارى، بينما يتهمنا الجيش بتهديد الأمن القومى بسببها:
  1-  أن مفهوم الأسرار العسكري تغير، وأن هذه المعلومات على الرغم من حساسيتها لا تشكل سراً عسكرياً فى العلوم العسكرية الحديثة.
  2-  أننا نشترى أسلحتنا من شركات أمريكية طبقاً لصفقات معلنة، وبالتالى فالعالم كله يعرف تعداد وأنواع القطع العسكرية التى لدى الجيش المصرى.
  3-  أن تكنولوجيا التجسس تطورت، والأقمار الصناعية تقدمت تقدم كبير، لدرجة أن اجتماعنا هذا قد يكون يتم تصويره صوت وصورة بواسطة أحد أقمار التجسس الصناعية. وبالتالى فالحروب الحديثة لا تعتمد كثيراً على سرية المعلومات، بقدر اعتمادها على فرق القوى، فأنت يمكنك ببساطة الذهاب إلى الويكيپيديا والاطلاع على المواقع النووية الأمريكية، لكن كن رجلاً واستطع أن تقترب بالضرر من أى منهم. فى العسكرية الحديثة، القوى هى التى تحميك وليس السرية وضبابية المعلومات.
خرجت يومها من إدارة الشئون النفسية والمعنوية وأنا شاعراً بالانتصار، فقد جعلت أعدائى يرددون أفكارى على أنها معتقداتهم. وكان جميلاً أن يسمع شباب التجنيد هذه الآراء من قيادات أحد الشئون النفسية والمعنوية، كان نوع من التجمل والهرب من الإحراج، نوع من المكياچ الذى تخفى خلفة العاهرة القبيحة قبحها. لأنه إذا كانت الدبابات والطائرات والذخيرة ومواقعها، ليست أسرار عسكرية، فما هو السر العسكرى فى مبنى المحكمة العسكرية؟ ما هى الأسلحة الموجودة فى مبنى المحكمة أصلاً لكى تسعى أى دولة لتصويرها أو جمع معلومات عنها؟ هل ستترك الدولة المعتدية المطارات وقواعد الدفاع الجوى لتقصف مبنى يحتوى على بضعة أوراق تافهة لا قيمة لها عسكرياً؟ ما هو الضرر الذى وقع على الجيش المصرى حينما يقوم أى شخص بتصوير ما يدور داخل أو أمام المحكمة العسكرية؟ ما الذى يمس الأمن القومى فى ذلك؟ وكيف يدعى القضاء العسكرى أنه قضاء عادل، بينما جلساته سرية لا تخضع لمراقبة الإعلام والرأى العام؟ أسئلة كثيرة يهرب الجيش من الإجابة عليها، ويسجن كل من يطرحها.

المشهد الثالث: ويكيليكس WikiLeaks – ظهور أجهزة المخابرات المستقلة
ويكيليكس تذكرنى بأفلام الپورنو، حيث كل شىء مكشوف ومفضوح و”على عينك يا تاجر“… الموقع الذى يكاد يكون أكثر موقع مطارد فى العالم، ينشر التقارير الاستخباراتية السرية من كل مكان، والموقع مقسم وبه أرشيف منظم جداً، ويمكن بسهولة الدخول على صفحة مصر للاطلاع على كل الدعارة السياسية التى تمارس فى مصر. ما حاجتك الآن لأن تحاول التجسس على الجيش المصرى إذا كنت تستطيع أن تعرف أدق المعلومات عن وزير الدفاع ووزير الإنتاج الحربى وقيادات المخابرات العامة والعسكرية ورئيس الجمهورية ومساعديه وكل اللاعبين فى السيرك السياسى. فى ويكيليكس ترى سيد مشعل يشير إلى مياه معدنية ”صافى“ التى تنتجها القوات المسلحة، والتى قام مشعل بتسميتها على اسم ابنته صافى. فى ويكيليكس يمكنك أن ترى عمر سليمان وطنطاوى وغيرهم بدون مكياچ ولا خداع. إنها الحقيقة التى من حق الشعوب المخدوعة أن تعرفها.
      الظريف أن ويكيليكس لم يعد الموقع الوحيد الذى ينشر تقارير استخباراتية على الإنترنت، فالمواقع تعددت وكثرت وحفلت بما لذ وطاب من الأسرار لكل من يمتلك خط إنترنت ويجيد اللغة الإنجليزية. ومن المواقع الظريفة التى تنشر تقارير استخباراتية هامة، موقع معهد ستراتفور (STRATFOR) التابع للمخابرات الأمريكية (CIA)، وهو الموقع الذى سبق أن نشر تفاصيل شخصية عن سامى عنان رئيس أركان القوات المسلحة، وطبيعة شربه للكحوليات، والأماكن التى يرتادها مع زوجته حينما يزور الولايات المتحدة، وتصريحاته الداعمة لمبارك فى الپنتاجون يوم 25 يناير 2011، ثم تصريحاته التى يمهد بها لنفسه للوصول لكرسى الرئاسة والتى صرح بها للجيش الأمريكى بعد الثورة.
      حينما تكون كل هذه الفضائح متاحة على الإنترنت لكل عابر سبيل، ويصر العسكر على محاكمة فتاة مصرية شجاعة بتهمة تصوير سور منشأة عسكرية لا قيمة لها، فهذا بالضبط كمن يدخل على شخص عارى، فيهتم الشخص العارى بتغطية أظافره بينما باقى جسمه عارى بلا ساتر… اهتموا بفضائحكم أيها العسكر.

المشهد الرابع: المخابرات الحربية – مجموعة 75 – فبراير ومارس 2011
 المشاهد كثيرة، ولكن حرصاً على وقت القارئ سأكتفى بمشهد رابع فقط:
كنت قد دخلت المخابرات الحربية مرتين. الأولى يوم 4 فبراير، حينما تم القبض علىّ أثناء توجهى لميدان التحرير، وهى المرة التى وثقت شهادتى فى مقال ”قصة يومان قضيتهم فى المخابرات المصرية“… والمرة الثانية كانت يوم 28 مارس 2011، بعد ساعات من إلقاء القبض علىّ من منزلى، وسأروى تفاصيلها فى وقت لاحق.
الذى يعنينى هنا أن أرويه، أنه فى المرتان لم أكن أعرف إلى أين تتوجه سيارة الجيش بى، وفى المرتان تكون عيناى ملفوفتان بأقمشة لتمنع رؤية أى شىء، وفى المرتان حرص جميع العاملين بالمخابرات أن يخفوا هويتهم بكل الطرق الممكنة… ومع ذلك، فى المرتان عرفت مكان احتجازى، وعرفت رقم زنزانتى فى المرة الثانية، وعرفت الضباط الذين حققوا معى، وعرفت عمر وصوت قائدهم الذى أشرف على ضربى فى المرة الأولى، وتعرفت على عنصر المخابرات الذى ضربنى وتحرش بى فى المرة الأولى. كل هذا وأنا مغمض العينين لا أرى شيئاً.
الذى يظن أنه حينما يمنع الناس من الرؤية أو التصوير، فهو سيمنعهم من معرفة الحقيقة، هو أحمق… فنحن فى عصر السموات المفتوحة، حيث المعلومات متاحة للجميع، وحيث العقل يمكنه أن يبصر أعمق من العين.
المعرفة لا تعرف القيود، والأفكار لا تعرف الأسوار. والقوانين التى يضعها العسكر لحماية فسادهم لن تحميهم، ولو كانوا أذكياء لكانوا صارحوا الشعب بالحقائق وقاموا بدورهم الطبيعى كحماة للوطن وليس للنظام العسكرى، فمن يقف ضد رغبة الشعوب لابد أن ينهزم مهما طال الزمن.

 ختاما:
لا أعرف ماذا سيحكم علىّ القضاء العسكرى فى جلسة الطعن الخاصة بى غداً. ولا أعلم ماذا سيحكم على الزميلة سحر ماهر فى أول جلسات محاكمتها غداً. ولا أعلم إذا كان هناك نشطاء آخرون سيتم محاكمتهم غداً أيضاً. ولكنى أعلم فقط أن العسكر بهذه الانتهاكات يكشفون عن وجوههم الحقيقية التى سُجنت لأنى أردت أن يراها الشعب. وأعلم أن العسكر يكشفون للجميع كل يوم كيف هم يرتعبون من قلم شاب صغير مثلى أنا أو لسان فتاة رقيقة مثل سحر. أعلم أن التاريخ يتذكر نيلسون مانديلا وجاليليو والسادات وغاندى ومارتن لوثر كينج وغيرهم من العظماء، لكن التاريخ لا يتذكر أسماء القضاة الذين حكموا على كل أولئك العظماء.

عاشت الثورة المصرية.. ويسقط حكم العسكر

مايكل نبيل سند
سجن المرج العموموى – مستشفى السجن
2011/10/10
بعد 49 يوم إضراب عن الطعام
ليلة جلسة الطعن الخاص بى وجلسة محاكمة سحر ماهر

لينكات متعلقة:
* قصة يومان قضيتهم فى المخابرات المصرية
* STRATFOR - Global Intelligence


صورة للنيابة العسكرية, س28 على Google Earth

No comments: