Monday, October 3, 2011

من مصلحة إسرائيل إقامة دولة فلسطينية


* مقدمة
أعتقد أن الوقت الحالى هو أكثر الأوقات التى تحتاج فيها الشعوب لنشطاء السلام. فمع تقديم الطلب الفلسطينى للحصول على عضوية كاملة بالأمم المتحدة، واشتداد الصرار بين الطرفين، الفلسطينى والإسرائيلى بين التهديدات الفلسطينية بحل السلطة الفلسطينية، والتهديدات الإسرائيلية بضم الضفة الغربية (يهودا والسامرة). أصبح المناخ يحتاج لوسطاء ونشطاء سلام لديهم قنوات اتصال وقبول لدى الطرفين، ويستطيعون استخدام قدراتهم من أجل مصالح الطرفين أو تحقيق السلام الذى تسعى إليه كل القوى التقدمية والحداثية. وفى ملف مثل الصراع الفلسطينى الإسرائيلى، لا يوجد ناطقين بالعربية (عرب) كثيرون قادرين على التواصل مع القارئ الإسرائيلى، وهذا هو الدور الذى كنت أقوم به قبل سجنى، وقد كنت أستطيع القيام بدور أكبر إذا كنت حراً، ولكن لأنى سجين منذ 6 أشهر، فسأقوم بالشىء الوحيد الذى أستطيع فعله، وهو هذا المقال.

* الحلم الجميل
- كنت أحلم بوطن واحد ودولة واحدة تجمع الشعبين الفلسطينى والإسرائيلى. دولة واحدة للشعبان، يعيشان فيها سوياُ فى سلام. دولة مدنية لا تميز بين مواطنيها على أساس الدين أو الأصل العرقى أو الجنس. دولة لا يشعر فيها اليهودى المتدين أن هناك دولة أجنبية على أرض إسرائيل التاريخية، ولا يشعر فيها الفلسطينى أن هناك دولة احتلال على التراب الفلسطينى. دولة يكون فيها توازن بشرى بين الفلسطينيين واليهود، ستمنع استبداد طرف على الآخر. دولة تعيش فى سلام مع جيرانها، لا تحتاج لميزانية تسليح ضخمة ترهق اقتصادها القومى، ولا تحتاج أن تفقد شبابها يومياً فى حروب عبثية طفولية، لا معنى لها. دولة ينظر فيها المواطنين للمدن الجديدة على أنها نوع من التنمية وليست استيطاناً. دولة تستغل التعددية الثقافية لسكانها لتكون أقوى وأكثر فاعلية فى المنطقة.
- إلا أن الطرفان قتلا هذا الحلم منذ سنوات. فالإرهاب الفلسطينى قطع الكثير من الطرق أمام الحلول السلمية للصراع، وخلق حاجز نفسى بين الشعبين. وإصرار السياسيين الفلسطينيين على حل الدولتين، طمعاً فى أموال الفساد والمناصب السياسة التى لن يصلوا إليها فى حل الدولة الواحدة، باعتبار أن السياسيين الإسرائيليين خريجى جامعات، بينما السياسيين الفلسطينيين خريجى مخيمات وتنظيمات شبه مسلحة. كل هذا أدى إلى توحيد الجهود الدولية نحو حل الدولتين وليس حل الدولة الواحدة.
- ومن الناحية الأخرى، كان إصرار إسرائيل على اتخاذ قرارات أحادية الجانب دون وضع أى اعتبار للأطراف الدولية الأخرى، وإصرارها على الحلول العسكرية القوية، وعلى استمرار التواجد العسكرى فى الضفة الغربية، وعلى استمرار السياسات الاستفزازية وعلى رأسها الاستيطان وعرقلة المفاوضات بالإصرار على حل نقاط معقدة من نوعية يهودية إسرائيل وحقوق اللاجئين اليهود الذين تم طردهم من الدول العربية؛ وأخيراً مع وجود نوعية من السياسيين الإسرائيليين فى السلطة من أنصار الحرب وأعداء السلام، وهم سياسيين يعلمون جيداً أنهم وصلوا لمناصبهم على دعاية الحرب، وسيفقدونها بمجرد تحقيق السلام. كل هذا أدى إلى فقدان الفلسطينيين للأمل فى جدية المفاوضات، وهذا دفعهم للمزيد من العنف، وهذا أيضاً أدى إلى خلق حاجز نفسى عند الفلسطينيين يمنع تحقيق فكرة الدولة الواحدة.
- النتيجة الواقعية لكل هذا أن حل الدولة الواحدة لم يعد مطروحاً على المدى القريب، وأن الطرفان ليس لديهم أدنى استعداد لبذل جهود لتحقيقه، وهناك إصرار من الجانبين على حل الدولتين، وهذا واقع يجب أن نقبله سواء أعجبنا أم لا.

* من مصلحة إسرائيل إقامة دولة فلسطينية
- أتعجب من رد الفعل الإسرائيلى تجاه الطلب الفلسطينى للأمم المتحدة للحصول على عضوية كاملة فى الأمم المتحدة لأن إقامة دولة فلسطينية يصب فى صالح إسرائيل، لأنه لا تعارض إطلاقاً بين حصول الشعب الفلسطينى على حقوقه الكاملة وبين حصول الشعب الإسرائيلى على حقوقه الكاملة.
- من مصلحة إسرائيل نهاية الصراع الدائر منذ أكثر من 6 عقود. من حق إسرائيل أن تعيش فى سلام لأول مرة فى تاريخها الحديث. من مصلحة الشعب الإسرائيلى أن يعيش فى أمان واطمئنان لأول مرة منذ تأسيس دولته. من مصلحة إسرائيل أن تشعر بالاطمئنان من جيرانها دون توجس مستمر من هجوم لا تعلم إسرائيل من أى جانب سوف يأتى.
- من مصلحة إسرائيل أن تنتهى حالة الحرب، وبالتالى تتخلص من احتياجها لميزانية الدفاع المتضخمة جداً، وتستغل هذه الميزانية لصالح المواطن الإسرائيلى الذى يحتاج للتعليم والصحة والسكن أكثر من احتياجه للرصاص وقنابل الغاز ودانات المدافع. ومن مصلحة الشاب الإسرائيلى ألا يفقد سنوات من عمره فى خدمة عسكرية إجبارية، وهو الذى يمكن أن يستفيد من هذه السنوات فى بناء مستقبله، وسيكون فى أمان من الإصابات التى قد يتعرض لها فى العمليات العسكرية.
- من مصلحة إسرائيل تحسين صورتها فى العالم وفى الدول العربية. فليس من مصلحة إسرائيل أن تزداد عزلتها بين المجتمع الدولة، ولا أن تكون صورتها فى ذهن الرأى العام العالمى أنها ”دولة عنصرية“ و”حكومة الاحتلال الوحيدة على كوكب الأرض“ و”الدولة الوحيدة التى تمارس الاستيطان بعد الحرب العالمية الثانية“ حتى لو كانت هذه الصورة غير حقيقية. وليس من مصلحة إسرائيل أن ينظر المواطن العربى (المصرى والأردنى والفلسطينى وغيرهم) للشعب الإسرائيلى على أنه شعب عدو. فطالما ينظر العرب للإسرائيليين على أنهم أعداء، سيستمر الإرهاب تجاه المواطنين الإسرائيليين المسالمين. وطالما نظر العرب للإسرائيليين على أنهم أعداء لن يستطيع الإسرائيليين القيام بالاستثمار أو السياحة أو بأى علاقة مشتركة مع جيرانهم، وستستمر إسرائيل محاصرة بين شعوب لا تتعاطف مع الحقوق المشروعة للشعب الإسرائيلى.
- كل الدول تمر بمراحل قوة ومراحل ضعف. وكل الدول مهما كانت قوية، تمر بلحظات ضعف (قد تكون قاتلة أحيانا) وألمانيا النازية والاتحاد السوڤيينى أقوى أمثلة لدول بلغت قمة القوة ثم مرت بحالة ضعف أدت لانهيارها. نعم إسرائيل دولة قوية، ولكنها معرضة لأن تمر بلحظات ضعف، ومن مصلحة إسرائيل حينما تمر بلحظات ضعف أن تكون فى حالة سلام وصداقة مع جيرانها، لا أن تكون فى وضع يتربص فيه جيرانها بها منتظرين لحظة ضعفها ليفترسوها. إن السلام هو الذى سيضمن لإسرائيل استمرار الوجود فى أراضيها، وليس القوة العسكرية.

* دعوة للسلام
- أدعو إسرائيل أن تقطع الطريق أمام دعوات الكراهية والعنصرية والحرب المتصاعدة حالياً، وتكون إسرائيل أول دولة تعترف بالدولة الفلسطينية وتدعو الدول للاعتراف بها، وتساهم فى بناء الدولة الفلسطينية. الدولة الفلسطينية ستقام شئتم أم أبيتم، فمن مصلحتكم أن تكون الدولة الجديدة دولة صديقة وليست دولة عدو.
- نعم أنا لا أتفائل كثيراً بالتحالف اليمينى العسكرى الذى يقود إسرائيل حالياً بإمكانيات متواضعة جداً، نحو الهلاك وليس التقدم، ولكن ما المانع أن ندعوهم لاتخاذ موقف تاريخى محورى لصالح إسرائيل؟ وإذا كانت القيادة السياسية الإسرائيلية الحالية رافضة للقيام بهذا الموقف، لما لا تتبنى هذه الدعوة القوى التقدمية فى إسرائيل، سواء كانت أحزاب أو قوى سلام أو قوى اجتماعية او حتى شباب ثورة الخيام الذين عبروا عن كل مدينة وحى إسرائيلى.
هل تتبنى تسيپى ليڤنى زعيمة المعارضة الإسرائيلية هذه الدعوة، وتنقذ إسرائيل من تعقيد الصراع، وتقودها نحو السلام النهائى والشامل، وتدخل بإسرائيل لعهد جديد من التعايش مع جيرانها؟
- أعلم أن الإسرائيليين من شبه المستحيل بالنسبة لهم حالياً أن يوافقوا على التعقيدات التى وضعها الفلسطينيين فى نص طلبهم، مثل إصرار الفلسطينيين على حدود 1967 وعلى القدس الشرقية عاصمة لفلسطين. ولكن ما المانع أن تعترف إسرائيل بالدولة الفلسطينية بدون النص على حدود أو عاصمة لها، ثم يتم حسم هذه النقاط مع النقاط الخلافية الأخرى مثل قضايا اللاجئين والمياه والوضع الأمنى فى اتفاقية سلام يتم إبرامها فى خلال عام.
- إننا أمام لحظة تاريخية مفصلية وحاسمة، وعلى إسرائيل أن تجد قيادة ذكية قادرة على ابتكار حل جديد غير تقليدى ينقذ إسرائيل مما وصفه ايهود باراك بالتسونامى، ويقود إسرائيل نحو عهد جديد من التعايش الإيجابى فى المنطقة. على إسرائيل أن تختار حالياً بين أن تبدأ فى الازدهار وبين أن تبدأ فى الاضمحلال.
- كنت قد نصحت إسرائيل فى بداية الثورة المصرية أن تأخذ القرار الصحيح وتنحاز للثوار المصريين، ولم تستجب إسرائيل حينها لنصيحتى، وأدركت بعد ذلك بشهور أنها اتخذت القرار الخاطئ، ودفعت إسرائيل وتدفع وستدفع أكثر ثمناً لعدم اتخاذها القرار الصائب فى التوقيت المناسب. وها أنا اليوم أكرر النصيحة مرة أخرى، وللأسف ستدفع إسرائيل الثمن إذا لم تستجب لنصيحة أصدقائها، ولكن فى النهاية شعب إسرائيل شعب ناضج وقادر على تحمل نتيجة قراراته وتحمل مسئوليتها بمفرده.

السلام هو الحل

مايكل نبيل سند
سجن المرج العمومى
28 سبتمبر 2011
بعد 37 يوم إضراب عن الطعام


No comments: