Saturday, October 1, 2011

الإضراب عن الطعام ليس انتحاراً

* The article in English: Hunger Strike isn’t Suicide

      منذ بدأت إضرابى عن الطعام منذ حوالى 40 يوم، والكثيرين يحاولون إقناعى بالتوقف عن الإضراب... ومن أكثر الآراء التى سمعتها كانت وجهة النظر الدينية، التى تتلخص فى أن الإضراب عن الطعام نوع من الانتحار، وأن المنتحر كافر، وأن الكنيسة لا تصلى على المضرب إذا مات، وأن مصير المنتحر هو العذاب الأبدى... ومن الظريف أن هذه كانت وجهة نظر المتدينين المسيحيين والمسلمين معاً.
للأسف، هذا الفكر الدينى نتج عن فقه نما فى ظل استبداد سياسى، وفى ظل رجال دين يفسرون الدين على هوى السلطان المستبد الغير عادل، فجعلوا الدين أداة لقمع الشعوب... شخصيا، رغم عدم اعتناقى أى دين، لكنى أرى أن الدين فى أصله يشجع على مقاومة الظلم، وأن المضرب عن الطعام ليس منتحر ولا كافر... وفى هذا المقال سأشرح لفكرة الإضراب عن الطعام، وسأشرح من وجهتى النظر، الدينية والإنسانية كيف أن الإضراب عمل نبيل جدير بالاحترام والتقدير.

* فكرة الإضراب
- الإضراب عن الطعام (huger strike)، وهو كما يظهر من التعبير الإنجليزى، هو ”إضراب جوع“، أى نوع من تحدى الجوع بكل آلامه، ليس لبضعة ساعات فقط (كما يحدث فى الصيام) وإنما لأيام وأسابيع وشهور... الشخص الطبيعى يتحمل الإضراب عن الطعام من 50 إلى 70 يوم، وبعدها يدخل فى مراحل الوفاة... الشخص المريض يتحمل فترة أقل... وفى الإضراب عن الطعام يمكن للشخص تناول أى شىء لا يقضى على الشعور بالجوع طالما ليس طعاماً، أى أن المشروبات والأدوية والمياه لا تتعارض مع الإضراب عن الطعام، وإن كان بعض المضرين يمتنعون عن بعض أو كل هذه الأشياء لكى يكون إضرابهم أقوى.
- الإضراب عن الشراب (thirst strike)، هو ”إضراب عطش“، أى تحدى العطش (مضاعفاً للجوع طبعاً)، وفيه يمتنع الشخص عن أكل أو شرب أى شىء... والشخص الطبيعى يتحمل من 3 إلى 5 أيام، وبعدها يصاب بمغص كلوى أو غيبوبة... فكرته تحدى آلام العطش المهلكة... وطبعاً فترة تحمل الشخص قد تطول لأكثر من 5 أيام إذا كان يتم توصيل محاليل له.
- فكرة الإضراب عموماً هى الاعتراض على الظلم ومقاومته، فالإضراب هو أحد وسائل نضال اللاعنف (non-violence)... فبدلاً من أن نقاوم الظلم بالعنف، نقاومه بالوسائل السلمية ومنها الإضراب عن الطعام. ومضمون الإضراب أن الشخص لديه استعداد أن يموت ولكن لن يقبل الاستمرار فى الحياة تحت الظلم... وطبعاً الرسالة المتضمنة أن الشخص المضرب إذا مات لا يكون منتحراً وإنما مقتولاً، لأن الشخص المضرب كان سيتوقف عن إضرابه لو تم رفع الظلم عنه، ولكن الظالم استمر فى ظلمه فكانت نتيجة الظلم موت المضرب عن الطعام، وبالتالى يعتبر المسئول عن الظلم هو قاتل المضرب عن الطعام.
- طبعاً هناك أنواع كثيرة من الإضراب التى من الممكن أن يجمع الشخص بينها وبين الإضراب عن الطعام، مثل الإضراب عن العمل والإضراب عن الدواء والإضراب عن شراء منتج معين أو جريدة معينة أو مشاهدة قناة تليفزيونية معينة.

* الشخص الذى يموت وهو يقوم بعمل نبيل ليس منتحراً
- مقاومة الظلم عمل نبيل فى معظم الأديان والحضارات والثقافات، هنا يأتى السؤال: هل إذا مات الشخص وهو يقوم بعمل نبيل يكون منتحراً؟
- هل إذا مات الصائم أثناء صيامه يكون منتحراً؟ هل لو مات المسلم أثناء صيام رمضان فى الصيف كنتيجة لنقص المياه، هل يكون منتحراً؟ هل القديسين المسيحيين الذين كانوا يصومون لأسابيع، هل لو مات أحدهم أثناء الصيام يكون منتحراً؟ إن الصائم إذا مات كنتيجة لصومه لا يكون منتحراً، لأن الصائم (فى نظر الدين) يقوم بعمل نبيل، والشخص الذى يقوم بعمل نبيل لا يكون منتحراً.
- هل الشخص الذى يتطوع للدفاع عن بلده، إذا مات يكون منتحراً؟ هو لم يفرض عليه أحد الذهاب للحرب، ولكنه تطوع بملء إرادته معرضاً حياته للخطر، ولكنه إذا مات لا نعتبره منتحراً رغم أنه ذهب للموت بقدميه، لكن الدفاع عن الوطن والوقوف ضد المعتدى الظالم عمل نبيل، والشخص إذا مات أثناء قيامه بعمل نبيل لا يُعد منتحراً.
- هل رجل المطافى إذا خاطر بحياته ودخل منزل يحترق لكى ينقذ شخصاً، هل إذا مات محترق يكون منتحراً؟ رغم أنه دخل المنزل المحترق بملء إرادته، ولم يجبره أحد على ذلك، ولكن إذا مات لا يعتبره أحد منتحراً لأنه كان يقوم بعمل نبيل (إنقاذ شخص من الهلاك)، والشخص الذى يقوم بعمل نبيل إذا مات لا يكون منتحراً.
- الشهداء المسيحيين فى عصر الاضطهاد (حسب التاريخ المسيحى) الذين كانوا يسمعون عن أحد الحكام يقتل المسيحيين، فيذهبون إليه بأرجلهم ليموتوا شهداء، لماذا اعتبرتهم الكنيسة شهداء وليس منتحرين؟ وهل رفضت الكنيسة الصلاة عليهم؟ رغم أن الحاكم الظالم لم يقبض عليهم ولم يطلب منهم ترك المسيحية، وربما كان الوالى ينتوى أن يتجاهلهم ولا يطبق قرارات الاضطهاد عليهم، ولكنهم هم الذين ذهبوا إليه بأرجلهم وألزموه بتطبيق قرارات الاضطهاد عليهم وقتلهم... والكنيسة لا تعتبرهم منتحرين وإنما شهداء، لأنه فى وجهة نظر الكنيسة كان أولئك الأشخاص يقومون بعمل نبيل وهو الشهادة للإيمان المسيحى، والشخص الذى يموت أثناء قيامه بعمل نبيل لا يُعد منتحراً.
- الأمثلة كثيرة جداً، وكلها تتلخص فى أن الدين يشجع على مقاومة الظلم، وأن الشخص الذى يموت وهو يقاوم الظلم أو أثناء قيامه بعمل نبيل لا يكون منتحراً، وإنما بعض الأديان والثقافات تعتبره شهيداً... بالضبط كما ننظر نحن لشهداء ثورة 25 يناير على أنهم شهداء وليس منتحرين، رغم أن جميعهم كانوا سيعيشون لو لم يشاركوا فى المظاهرات وبقوا فى بيوتهم، ولكن لأنهم كانوا يقاومون الظلم والاستبداد، وهذا عمل نبيل، لذلك لا ينظر إليهم أحد على أنهم منتحرين.

* حينما يغير موتك حياة الآخرين للأفضل
- رغم أنى أؤمن أن ”الحق فى الموت“ أحد حقوق الإنسان، وأن الشخص من حقه أن يختار متى يترك الحياة... إلا أنى هنا لا أناقش هذه الفكرة، ولا أريد فى أى حال أن أكون كمن يشجع الناس على الانتحار. ولكن الذى لا يمكن إنكاره، أن بعض الأشخاص حينما يضحوا بحياتهم، أو حينما يتعرضون للقتل، فإن موتهم يؤدى لنتائج تغير مصائر ملايين البشر للأفضل، وبالتالى يكون انتحارهم أو اغتيالهم عمل نبيل يجب أن نقدره.
- أبرز مثال على هذه الفكرة هى حادثة انتحار ”محمد البوعزيزى“... محمد الشاب التونسى الذى تعرض للظلم، فأشعل النار فى جسده أمام مبنى البلدية فى مدينته التونسية، فأشعل موته نار الثورة فى تونس ومصر وليبيا واليمن وباقى الدول العربية، لدرجة أن لا يوجد سوى قطر والإمارات فقط من بين الدول العربية اللذان لم يحدث فيهما مظاهرات ضخمة بعد انتحار البوعزيزى... إن المصريين الذين عانوا من ظلم مبارك، والذين عاشوا لعقود فى سجون مبارك، كل هؤلاء مدينون بحريتهم لانتحار محمد البوعزيزى... لو كان هناك إله، فلا أتصور أن هذا الإله سيلقى محمد البوعزيزى فى الجحيم، لأن الله خير ويحب الخير للبشر، والدين جاء من أجل خير البشر، فلماذا يجازى الله شخصاً جلب الخير للبشرية المعذبة؟
- المسيح أيضاً نموذج دينى للمنتحر الذى جلب الخير على البشرية بموته (حسب الاعتقاد المسيحى)... فالمسيح كان يعلم أن هناك نية للقبض عليه وقتله، وكان يعلم بخيانة يهوذا، ومع ذلك ذهب لمكان هادئ ليسهل مهمة القبض عليه، ثم أثناء محاكمته تعمد الرد بفظاظة على من حاكموه، فنراه يرد على بيلاطس ويقول ”أنت تقول“ ويكلم رئيس الكهنة بطريقة جعلت أحد عبيد رئيس الكهنة يضرب المسيح. وطبعاً من البديهى أن الحديث بهذه الطريقة مع الحكام فى هذا العصر الاستبدادى ليس له نتيجة إلا الموت. ولكن المسيحية تنظر لموت المسيح على أنه خلاص للبشرية، والمسيحية كلها قائمة على الصليب والقيامة وموت المسيح، ولولا الصليب والفداء ما كان هناك شىء اسمه مسيحية... هذا مثال آخر لحادثة موت غيرت التاريخ الإنسانى للأفضل (من وجهة نظر المؤمنين بها).
- مثال ثالث وهو اغتيال بينظير بوتو فى باسكتان. بينظير قاومت الحكم العسكرى فى باكستان لسنوات طويلة، وكان الجنرال مشرف الانقلابى العسكرى يفرض دكتاتوريته وظلمه على الشعب الباكستانى، وتعرضت بينظير للسجن والنفى بسبب نضالها من أجل الديموقراطية، لكن كل هذا لم يؤدى لسقوط نظام مشرف... وفى إحدى جولاتها داخل باكستان لحشد الشعب لصالح فكرة الديموقراطية، تعرضت بينظير للاغتيال فى عملية كان الجنرال مشرف أبرز المتهمين فيها... هذه الحادثة هى التى أدت إلى استقالة مشرف تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية التى اندلعت اعتراضاً على اغتيال بينظير بوتو، وهكذا تخلصت باكستان من الحكم العسكرى... إن الشعب الباكستانى مدين بدولته المدنية لموت بينظير بوتو، التى لولا اغتيالها لبقى الحكم العسكرى فى باكستان إلى اليوم.
- نفس الشىء يقال عن اغتيال الشاب المصرى ”خالد سعيد“... فالمصريون الذين عانوا من حكم مبارك لما يقرب من 30 عام، والذين لم يقوموا بثورة شعبية ضد الاستبداد والطغيان، لمستهم صورة وجه خالد المهشم وقصته المؤثرة، فبدأوا سلسلة من التظاهرات استمرت منذ صيف 2010، ووصلت إلى قمتها فى 28 يناير 2011، وهى المظاهرات التى أطاحت بمبارك ونقلت المصريين لعهد جديد... إن المصريين مدينون لموت خالد بتحررهم من مبارك ومشروع توريثه.
- ما قيل عن خالد سعيد وبينظر بوتو، يمكن أن يقال أيضاً عن اغتيال غاندى ومارتن لوثر كينج وإسحاق رابين وچان دارك، وغيرهم من الشخصيات التى تسبب موتها فى تغيير مستقبل الإنسانية للأفضل.

خاتمة:
أرجو أن يكون استخدامنا للدين والفلسفة فى صالح البشر وليس ضدهم. فى صالح العدالة وليس فى صالح الطغاة والمستبدين. فى صالح تقدم البشر وليس تأخرهم. ولنبدأ منذ الآن فى حركة إصلاح دينى تطهر الأديان من فقهاء السلاطين، ومن فقه الاستعباد، ونرتقى بتفسيرات الأديان لمستوى إنسانى يصب فى صالح البشر. إن الحياة ليست هدفاً فى حد ذاتها، وإنما نحن نعيش لنتمتع فيها، فإذا كنا سنعانى فيها، فلماذا نعيشها؟ وإذا كان الموت سيأتى شئنا أم أبينا، فلماذا لا نموت بكرامتنا بدلاً من أن يأتى الموت ليجدنا أحياء أذلاء؟ فلنتوقف عن الخوف من الموت، فشجاعتنا فى تحدى الموت هى التى ستؤدى إلى انتصارنا، بالضبط كما كانت شجاعتنا فى تحدى الموت فى ميدان التحرير فى بداية ثورتنا هى السبب فى انتصارنا على مبارك.

                  مايكل نبيل سند
                  سجن المرج العمومى – مستشفى السجن
                  2011/9/29
                  بعد 38 يوم إضراب عن الطعام
                  منهم 7 أيام إضراب عن الشراب

مواضيع متعلقة:
* الموت جوعاً من أجل الحرية
* الحق فى الموت… هل يتحول إلى واقع؟



No comments: