Monday, September 19, 2011

الموت جوعاً من أجل الحرية

* The article in English: Dying of Hunger for Freedom

      من أوائل الكتب التى قرأتها هنا فى السجن، كان كتاب ”طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد“ للشيخ عبد الرحمن الكواكبى… أعجبنى الكتاب جداً، وفوجئت أن هناك رجل دين مسلم بهذه الاستنارة والانفتاح والحداثة. وحينما كان يتحدث الشيخ عبد الرحمن عن الحرية، كان يمتدح الحيوانات البرية التى إذا ما اصطادها الإنسان، ترفض تناول الطعام، مُفضلة الموت جوعاً عن حياة الأسر… ومن حينها وأنا أسأل نفسى: هل معقول أن أكون أقل من الحيوانات؟ وحينما قررت أنا أيضاً أن أرفض الطعام فى الأسر، فالموت جوعاً أفضل من فقدان الحرية.
كلام عبد الرحمن الكواكبى ذكرنى بكلام فرانسيس فوكوياما عن السيد والعبد فى كتابه الرائع ”نهاية التاريخ وخاتم البشر“… فوكوياما كان يقول أن السيد هو الذى يقاتل من أجل حريته، فإما يموت أو ينتصر ويعيش حراً، أما العبد هو الذى يخاف من الموت فيقبل حياة العبودية بدلاً من القتال من أجل حريته… وهكذا قررت أمام نفسى، سأقاتل من أجل حريتى، ولأنى سيد ولست عبداً، فلن أستسلم حتى الموت أو حتى استرداد حريتى.
من بين الكتب التى قرأتها فى السجن أيضاً، كتاب ”البحث عن الذات“ للرئيس الراحل محمد أنور السادات. السادات روى قصة أُشيعت عن ناپوليون بوناپرت لفتت انتباهى. القصة تقول أن ناپوليون حينما وقع فى الأسر، أراد سجانوه إذلاله، فجعلوا بوابة الزنزانة منخفضة حتى يضطر أن يحنى رأسه كلما أراد الدخول أو الخروج من الزنزانة. إلا أن ناپوليون كان يرفض أن يحنى رأسه، وكان يجلس على الأرض ويدخل جالساً لكى لا يحنى رأسه. ذكرتنى هذه القصة بمقولة أمل دنقل فى قصيدة ”كلمات سپارتاكوس الأخيرة“ حينما قال ”مُعلق أنا على المشنقة ورأسى محنية، لأنى لم أحنها حية“… وهكذا قررت أنى لن أحنى رأسى أمام أعدائى ما دمت حياً، حتى لو أدى هذا إلى أن تُحنى رأسى على المشنقة.
      فى كتاب السادات أيضاً، يروى عن أحداث سجنه، ويروى أنه فى إحدى السجون كان هناك كونت مسجون، وكان هذا الكونت لا يتصرف كمسجون أبداً، وإنما كان يتصرف كأنه ما زال كونت. كان المساجين يضحكون عليه باستمرار لأنه لا يعيش واقعه، بينما كانت كرامته تأبى عليه أن ينتقص من تقديره لذاته… هنا فى السجن يريدون تحطيم قوة شخصيتى باستمرار، ويقولون لى دائماً ”أنت مسجون، أنت مذنب، أنت مدان، أنت محكوم عليك بالسجن ثلاث سنوات“. أما أنا فلازلت أرى نفسى المدون والناشط السياسى الشهير الذى يهتم عشرات الألوف بآرائه. لن أسمح للسجن أن يكسرنى أبداً.
      رغم كراهتى الشديدة لهيتلر، ، إلا أنى لا أستطيع أن أمنع نفسى من الإعجاب الشديد بانتحاره حينما هُزم فى المعركة… هيتلر كان لديه شعور كبير بالكرامة والعظمة، ولم يقبل أن تُوضع الكلابشات فى يديه أو يتعرض للإهانة على يد جيوش أعدائه، ففضل الموت عن أن تهان كرامته… أنا أيضاً كرامتى تأبى علىّ أن أقبل إهانة العسكر، وأرفض الحياة فى ظل هذه المحاولات المستمرة لكسر كبريائى.
لست أول من يدخل فى إضراب عن الطعام اعتراضاً على سجنه… السادات فعلها قبلى… غاندى فعلها أيضاً، وحينما خرج الشعب الهندى بعنف ليحرر غاندى خوفاً من موته، بسبب الإضراب، أمرهم غاندى بالرجوع، لأنه يرفض أن يتم تحريره بالعنف.
حينما أشعر أنى قد أموت بسبب الإضراب، أتذكر محمد البوعزيزى… محمد البوعزيزى هو أكبر مصدر قوة وتشجيع لى فى إضرابى… موت محمد البوعزيزى كان السبب فى بداية الربيع العربى وتغيير تاريخ البشرية… هكذا أقول لنفسى: لا بأس من أن أموت، إذا كان موتى سيفيد ملايين البشر بعدى.
اعتاد إرنستو تشى جيڤارا أن يقول ”أفضل أن أموت واقفا عن أن أحيا راكعاً“. يقولون أن وقت إعدامه، جعلوه يركع، ثم أطلقوا الرصاص على رأسه. كان أعداؤه يتمنون رؤيته راكعاً… حسناً، لا يعنينى الرجل، وإنما تعنينى مقولته الرائعة. لن أركع أمام الظلم، وسأموت بكرامتى، وهذا أشرف لى من حياة بلا كرامة.
تذكر الكتب المقدسة لدى اليهود قصة السبى البابلى، حينما كان شعب إسرائيل أسرى فى بابل يعيشون حياة العبودية. حينها كان الشعب اليهودى يدعون إلههم أن يحررهم من تناول خبز العبودية (الخبز الردىء الذى يُعطى كغذاء للعبيد). لكنى قررت ألا أنتظر من أى أحد أن يحررنى، أنا سيد وأرفض أن أتناول خبر العبودية، ولن أتناول طعاماً قط ما دمت فى السجن حتى أنال وأسترد حريتى.
قد أموت نتيجة لإضرابى عن الطعام، ولكن هذا سيفيد ألوف المساجين بعدى. بعدها لن تتجاهل السلطات أى إضراب عن الطعام. لا بد من بعض التضحيات حتى تنمو مساحة حقوق الإنسان فى أى وطن.
لو كنت حراً هذه الأيام، لكنت نظمت إضراب عام عن الطعام لكل المحكوم عليهم عسكريا… يقولون أنه تم الحكم، على 12 ألف شخص، عسكرياً خلال الشهور الماضية. لو أضرب منهم ألف مسجون فقط مطالبين بمحاكمتهم مدنيا، فإن هذا كافى لزلزلة أى نظام فى الكون.

                        الحرية لها ثمن، ولابد أن ندفعه

                                                مايكل نبيل سند
                                                سجن المرج العمومى
                                                القسم الداخلى – مستشفى السجن
                                                بعد 20 يوم إضراب عن الطعام

مقالة متعلقة:
* أهلا و سهلا بوطن العبيد
* الحق فى الموت… هل يتحول إلى واقع؟
* الإضراب عن الطعام ليس انتحاراً

No comments: