Monday, September 5, 2011

نعم للسلام من أجل مصر

* The article in English: Yes to Peace for Egypt

نعم للسلام
من أجل مصر
قبل أن يكون من أجل إسرائيل

It Shoots Further Than He Dreams by John F. Knott. First published on March 26, 1918. (photograph)
حينما رفض إسماعيل صدقى باشا دخول مصر حرب 1948، لم يكن خائناً لمصر أو محباً لإسرائيل. كل ما فى الأمر أن إسماعيل صدقى كان مسئول عن نهضة اقتصادية فى مصر، فهو الذى طور مدينة الإسكندرية العاصمة الصيفية لمصر وحولها لمدينة سياحية ضخمة، وهو الذى بنى كورنيش الإسكندرية وأعد شواطئه... الرجل كان يخشى أن تحطم الحرب كل الخطوات الاقتصادية التىى أخذتها مصر فى السنوات السابقة للحرب.
لكن إسماعيل صدقى لم يستمر فى موقفه، فحزب الوفد اتخذ موقف شعبوى، وركب الموجة، وأيد قرار الحرب. إسماعيل صدقى شعر كسياسى أنه سيخسر الناس إذا استمر على موقفه، فتراجع وأيد الحرب، مفضلاً الشعبية بين الناس عن مصلحة مصر.
كلنا نوضع باستمرار فى موقف إسماعيل صدقى، ويكون علينا أن نجيب على أسئلة كثيرة من نوعية: هل هذه الحرب فى مصلحة مصر؟ هل نحن مضطرين للدخول فى هذه الحرب؟ وهل نختار بين مصلحة مصر ورغبتنا فى السير مع القطيع وتحقيق مكاسب سياسية شخصية؟ هذا المقال يناقش بعض هذه الأسئلة الشائكة.

      أولاً: السلام والديموقراطية
كلنا نعرف أن مصر كان بها حياة ديموقراطية برلمانية حتى انقلاب 1952، ومنذ ذلك الانقلاب حتى هذه اللحظة ونحن نعانى من حكم عسكرى شمولى دموى. لكن لابد أن نسأل أنفسنا: لماذا حدث الانقلاب؟ وهل لهذا علاقة بقضية السلام والحرب؟
التسلسل التاريخى للأحداث... مصر دخلت حرب 1948 رغم أنها لم تكن مؤهلة لمحاربة إسرائيل من ناحية تطور الأسلحة وكفاءة المقاتلين، وهذه الحرب غيرت عنصرين مهمين:
1- التزام مصر بمعاهدة 1936 الخاصة بجلاء الإنجليز عن مصر، فالمعاهدة تضمنت خروج الجيش الإنجليزى من مصر بعد 20 عام (أى عام 1956) بشرط أن يكون الجيش المصرى متطوراً وقادراً على الدفاع عن مصر. القصر تعمد الزج بمصر فى الحرب من ناحية لرغبة فاروق فى خلافة المسلمين ومن ناحية لتحطيم الجيش المصرى، وبالتالى لتعطيل الجلاء. وهو ما حدث بالضبط، فبعد هزيمة الجيش المصرى فى الحرب، ظهر للجميع ضعف الجيش المصرى، وتحطم كل ما سبق بناءه داخل الجيش، وبالتالى أصبحت مصر متخلفة عن ما تعهدت به فى معاهدة 1936، وبالتالى لن يكون الجلاء فى موعده... هذا نتج عنه مضاعفات سياسية خطيرة أهمها إلغاء معاهدة 1936 وانقطاع الطرق الدبلوماسية لحل الصراع، مما مهد الأرضية لحل انقلابى لمسألة الجلاء. لقد وقعت الحرب فى طريق استقلال مصر.
2- لقد تعرض الجنود المصريين لهزيمة فادحة فى حرب 1948، كان أقسى ما فيها وقوع كثير من الجنود المصريين تحت حصار الجيش الإسرائيلى، وأصبح الجنود المصريين تحت رحمة الإسرائيليين الذين يسمحون لهم بمرور الأغذية حتى لا يموتون جوعاً. ثم اضطرت مصر فى فبراير 1949 لتوقع اتفاقية الهدنة مع إسرائيل حتى تستطيع أن تسترجع جنودها المحاصرين. أولئك الجنود رجعوا لمصر بالخزى والعار (كان من بينهم عبد الناصر شخصياً) فهم ذهبوا لحرب وخسروها بشدة وتم حصارهم، وبسببهم اضطرت مصر لتوقيع اتفاقية هدنة مع إسرائيل حتى تسترجعهم.
أولئك الضباط حتى يدفعوا العار عن أنفسهم اخترعوا أكذوبة الأسلحة الفاسدة، رغم عدم وجود أى دليل عليها. وحينما حقق القضاء فى هذه الإشاعة وأثبت كذبها، اتهموا النظام بالفساد. لم تكن لديهم الشجاعة أن يعترفوا أن الحرب خُسرت بسبب فشلهم. ومن هنا علت دعاوى تطهير الجيش، فحدثت حركة الضباط التى كانت فى بدايتها (حسب بيان محمد نجيب) حركة ضباط الجيش بهدف تطهير الجيش، وبعدها يعود الجيش لثكناته. ولكن بعد أن وجد الضباط أنفسهم مسيطرون على كل شىء، لم يتخلوا عن السلطة، رغم أن محكمة الثورة أثبتت عدم وجود أى أسلحة فاسدة فى حرب 1948، وهى الإشاعة التى حدث الانقلاب بسببها.
لقد فقدنا الديموقراطية، وعانينا من القمع 60 عام، واضطرونا للقيام بثورة 25 يناير، كل هذا بسبب إشاعة الضباط خجلاً من هزيمتهم فى حرب 1948. لو لم نكن دخلنا الحرب، ما كانت الهزيمة، وما كانت الإشاعة، وما كان الانقلاب، وكنا الآن نحتفل بـ 90 سنة من الديموقراطية البرلمانية فى مصر.
علاقة السلام بالديموقراطية قوية جداً، فالحروب تفتح الطريق للاستبداد الداخلى تحت شعارات ”الأسرار العسكرية – مصلحة الوطن – الأمن القومى – لا صوت يعلو فوق صوت المعركة“. فى الحروب تفرض الدول ”حالة الطوارئ/الأحكام العرفية“، وهى إجراءات تحد من حريات المواطنين لا الأعداء. فى الحروب تتضخم الجيوش لتفتح الطريق أمام الانقلابات العسكرية (لذلك كانت روما القديمة تمنع دخول الجيوش إلى العاصمة). بل أن الطغاة يستغلون الحروب لشغل انتباه شعوبهم عن الإصلاح الديموقراطى، وكلنا نرى باستمرار كيف يستغل الطغاة العرب إسرائيل لإلهاء الشعوب العربية عن قضايا الإصلاح الديموقراطى، ولتشويه صورة المعارضين الشرفاء بتهم سخيفة من نوعية ”الصهيونية – التطبيع – العمالة...“.

      ثانيا: السلام والنمو الاقتصادى
بغض النظر عن قصة إسماعيل صدقى التى افتتحت بها مقالى، يروى توفيق الحكيم فى رائعته ”عودة الوعى“ معلومات تكشف لنا كيف حطمت الحروب اقتصاد مصر.
- يروى توفيق الحكيم كيف كان الجيش المصرى بتعليمات عبد الناصر يلقى أجولة الذهب لقبائل اليمن أثناء حرب اليمن ليستميلهم للجانب المصرى، مما تسبب فى نفاذ مخزون الذهب المصرى... هذا فى الوقت الذى كان المصريين البسطاء فرحين بعبد الناصر الذى جعلهم موظفين فى الحكومة، يتقاضون بضعة جنيهات شهريا!
- يروى توفيق أيضاً عن التكلفة التى دفعتها مصر خلال الستة سنوات بين حرب 1967 و1973. الحكيم بسط الأرقام وقال أن ما أنفقته مصر على الحرب لو كان تم إنفاقه على التنمية الداخلية، كان سيكون نصيب كل قرية فى مصر مليون دولار (مع ملاحظة فارق قيمة العملة فى ذلك التوقيت، فمليون دولار عام 1967 تعادل تقريبا 5 مليون دولار بمقاييس اليوم). تخيلوا ماذا كان سيكون شكل مصر الآن لو لم نكن دخلنا تلك الحروب، وكنا أنفقنا هذه الأموال على بناء المدارس والمستشفيات والطرق وتنمية المجتمع المدنى؟ السخيف أن الهراء الحكومى لكى يتهرب من هذا السؤال يقول أن إسرائيل هى التى بدأت الحرب واحتلت سيناء، بينما الواقع أن عبد الناصر كان قد أعلن الحرب فى خطبته يوم 15 مايو 1967، وكان قبلها استخدم ضد إسرائيل حق الحصار البرى، وهو من حقوق الدولة المحاربة... هذا إذا تجاهلنا الرواية التاريخية التى تقول أن قرار طرد القوات الدولية اتخذه المشير عبد الحكيم عامر دون علم عبد الناصر، فى وقت كان فيه المشير رئيس أركان الجيش ينازع عبد الناصر فى سلطته!
نظرة للعالم حولنا... أنظروا كيف تضررت أمريكا من ميزانيات حروبها، وكيف تعالج أمريكا المشكلة الآن من خلال سحب جيوشها من العراق وأفغانستان، ومن خلال تفكيك بعض القواعد العسكرية فى أوروبا. أنظروا كيف ضعفت الحرب الأهلية شعب الصومال وحولته لشعب فقير رغم الثروات الطبيعية التى يتمتع بها الصومال. أنظروا كيف حول الطموح النووى لكوريا الشمالية المواطنين الكوريين لشعب فقير يموت من الألوف منه شهرياً جوعاً. أنظروا لدول المحور فى الحرب العالمية الثانية (اليابان – ألمانيا – إيطاليا) وكيف دخلوا الحرب دولاً قوية، وخرجوا منها محطمين تحت احتلال أجنبى، ولازالوا يدفعون ثمن هذه الحرب إلى يومنا هذا.
السلام هو خيار إستراتيجى لكل شعب يريد أن يعيش فى رفاهية. أما الشعوب التى تختار الحروب، فستعانى من الفقر للأبد حتى تدرك أن الحرب تستنزف مواردها وجهود أبناءها.

      ثالثا: سلام وحياة البشر
هل يدرك من يأخذ قرار الحرب أنه يأخذ قرار بإعدام عشرات الألوف من البشر، بالإضافة لمن سيصابون بعاهات مستديمة فى الحرب؟ إن من يأخذ قرار الحرب لن تتعرض حياته للخطر، فهو سيظل جالساً فى مكتبه المكيف بالعاصمة، بينما الشباب والوطنيين من الجانبين يدفعون أرواحهم بسبب فشل القيادات السياسية فى الوصول لحل دبلوماسى سلمى.
لا أصدق أى أرقام رسمية بخصوص الضحايا المصريين فى حروبنا مع إسرائيل. بعض العسكريين قدروا ضحايا مصر فى حرب 1973 بمليون شهيد! هذا غير المصابين والمفقودين والأسرى. يمكن أن أقول أنه حينما أذاعت إسرائيل فيلم ”روح شاكيد“ عن إعدام الأسرى المصريين، تساءل المصريين إذا كان لازال هناك أسرى مصريين لدى إسرائيل، ولكن لم يكن أى من المسئولين يعرف إجابة لهذا التساؤل.
ما هو السبب الذى يجعل دولة تدخل فى حرب لتفقد فيها شبابها، ويفقد الباقى أطرافهم، وتخيل النسبة السكانية بين الجنسيين (كما حدث فى ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، كانت النسبة رجل لكل 5 سيدات)! لماذا كل هذا بينما هناك حلول بديلة سلمية لحل الصراعات؟
أعلم أنه فى العقود الأخيرة صعدت توجهات انتحارية تحت مسميات ”الاستشهاد.. صناعة الموت – الزهد فى الحياة – تحدى الموت...)، ولكن هنا أخاطب العقلاء الذين يسعون لمصلحة أوطانهم وليس للانتحار، الذين يبحثون عن الحياة، لا الموت.
إن الهدف فى أى صراع هو حل الصراع وليس إبادة الطرف الآخر. إن الهدف فى الصراع الفلسطينى الإسرائيلى هو الحصول على حقوق كاملة للفلسطينيين، وليس إبادة الإسرائيليين. فإذا كنت تبحث عن مصالح الفلسطينيين، فالحل فى التفاوض السلمى وليس فى دخول حرب يموت فيها الطرفين على طريقة شمشون (علىّ وعلى أعدائى)؟ أما إذا كنت تسعى للانتحار، فمن فضلك انتحر بهدوء دون أن تقتل معك ملايين الأبرياء.

خاتمة
وأنا أختار عنوان هذا المقال، كنت أريد أن أسميه ”السلام من أجل مصر، وليس إسرائيل“، ولكن فضلت أن يكون ”من أجل مصر قبل أن يكون من أجل إسرائيل“... فالسلام سيفيد الجميع، مصر وإسرائيل وفلسطين، بل وحتى إيران وتركيا. السلام سيفيد العالم كله. ودورنا كمصريين أن نفكر بعقل فى مصلحة وطننا، ومصلحة ثورتنا ومشروع التحول الديموقراطى وطموحنا فى نمو اقتصادى، وخوفنا على حياة أخوتنا وأولادنا وأصدقاءنا.
على الشعوب أن تختار، وكل شعب عاقل عقله فى رأسه يعرف خلاصه.

مايكل نبيل سند
سجن المرج العمومى – 2 ع
2011/8/7

Give Peace A Chance - John Lennon

No comments: