Monday, August 29, 2011

العسكريون بين العمل الوطنى والعمل السياسى

دفاعاً عن شرفاء الجيش

      يوم الجمعة 8 ابريل 2011، نزل إلى ميدان التحرير عشرات من ضباط الجيش، هم أشرف من فى القوات المسلحة. تشاركوا الثوار فى اعتصامهم حتى فجر اليوم التالى، إلى أن هاجمتهم قوات الشرطة العسكرية، وقبضت على بعضهم، وحينما عاد الثوار إلى الميدان فجر اليوم التالى، وجدوا برك من الدماء فى الميدان مما أثار الشكوك حول استشهاد أحد أو بعض أولئك الضباط.
      هجوم الشرطة العسكرية على أولئك الضباط، صاحبه هجمة قوية من الشئون المعنوية والمخابرات ورجالهم فى الإعلام، مرددين كلام كثير عن أهمية وحدة الجيش، وعن طبيعة الحياة العسكرية القائمة على الخضوع للأوامر، وعن رفض اشتراك العسكريين فى العمل السياسى... فى النهاية حكم القضاء العسكرى على أولئك الضباط الثوار بالسجن 10 سنوات، بعد ليالى مريرة قضوها فى المخابرات الحربية، وهم حالياً يقضون عقوبتهم فى السجن الحربى.
      المجلس العسكرى يدعى فى كل مناسبة أنه يسعى لتحويل مصر لدولة ديموقراطية... لهذا أكتب هذا البحث، لأوضح كيف تسير هذه الأمور فى الدول الديموقراطية، وأشرح كيف أن أولئك الضباط لم يخالفوا القواعد العسكرية المتعارف عليها فى الدول الديموقراطية. أحاول فى السطور القادمة أن أكشف زيف اللفظ الإعلامى الذى تم استخدامه فى الاغتيال السياسى لضباط هم أشرف وأشجع ضباط الجيش المصرى.

الفرق بين العمل الوطنى والعمل السياسى
”السياسة محرمة على العسكريين“ مقولة صحيحة تماماً، لكن ما هى السياسة أولاً؟
هناك العديد من التعريفات الأكاديمية للسياسة، ولكن بأسلوب بسيط يمكننى أن أقول أن هناك مفهومان للسياسة: مفهوم واسع، ومفهوم ضيق.
- السياسة بالمفهوم الضيق: هى كل عمل يقصد به الوصول للسلطة، أو مساعدة لطرف للوصول للسلطة... فالعمل الحزبى هو نشاط هدفه وصول الحزب للسلطة، والترشح فى الانتخابات هدفه الوصول للسلطة، وبالتأكيد الانقلابات المسلحة هى عمل سياسى صرف يؤدى إلى وصول المجموعة التى قامت بالانقلاب إلى السلطة.
- السياسة بالمفهوم الواسع: هى العمل الوطنى، وهى كل عمل يهدف إلى مصلحة الوطن بدون الرغبة فى الوصول للسلطة. فالكتابة فى الصحافة هى عمل وطنى وليس سياسى. التظاهر والاعتصام السلمى هو عمل وطنى لا يرغب المشاركون فيه الوصول للسلطة. الحديث للإعلام كذلك لا علاقة له بالوصول للسلطة. بل أن القيام بتنظيم حركات حقوقية أو ثورية هو عمل وطنى (غير سياسى) طالما كان المشتركين فيه لا يسعون للوصول للسلطة.
الدول الديموقراطية لا تمنع أعضائها من العمل الوطنى (بما فيهم العسكريين)، وإنما تحظر على العسكريين فقط الاشتراك فى العمل السياسى (بالمفهوم الضيق للسياسة) طالما كان أولئك العسكريين فى الخدمة. فالكتابة فى الصحف أو الحديث للإعلام أو إقامة تنظيمات نقابية أو حقوقي داخل الجيش، كل هذا مباح فى الدول الديموقراطية. كل ثورات العالم، انضم فيها عسكريون لصفوف الثوار، ودائماً ما كان أولئك الثوار يكافئون العسكريين المنضمين لصفوفهم (لا أن يسجنوهم)، ولم يقل أحد أن انضمام الجيش لثور شعبية هو عمل سياسى طالما كان أولئك العسكريين لا يسعون للوصول للسلطة، وتدليلاً على هذا الطرح، سأقدم شرح لنموذجين لدولتين ديموقراطيتين كدليل على أن الدول الديموقراطية لا تمنع العسكريين من العمل الوطنى.
* يجب الإسارة مبدئيا أن هناك فرع ثالث من العمل العام يتم تضمينه على أنه عمل سياسى، وهو العمل النقابى والفئوى، وهو بالتأكيد ليس عمل سياسى ولا وطنى، وهو من حقوق الإنسان البديهية، والتى لا تقبل الحظر فى أى دولة ديموقراطية. فمن غير المقبول أن نسحب عن العسكريين حقهم فى المطالب الفئوية وفى الاعتصام أو التظاهر السلمى من أجل تحقيق تلك المطالب.

النموذج الأول: الولايات المتحدة الأمريكية
* مبدئياً: الكتابة فى الصحافة والحديث للإعلام هو عمل مباح للعسكريين الأمريكيين ويمكن لأى عسكرى أمريكى أن ينشر مقال له فى أى صحيفة أمريكية، حتى لو كان يناقش موضوع عسكرى بوجهة نظر تختلف عن وجهة نظر الإدارة الأمريكية. وطول حروب أمريكا فى العراق وأفغانستان، قرأنا عشرات المقالات لعسكريين أمريكيين يناقشون النقاط العسكرية التى لا يفهمها المدنيين. المحظور فقط فى هذه النقطة هو ذكر الأسرار العسكرية، مع توضيح أن كل ”سر عسكر“ فى الدول الديموقراطية كلمة واضحة وغير مطاطة، وكل معلومة أو تقرير سرى يكون مكتوب فى بدايته classified حتى لا يختلط ما هو سرى بما هو مباح.
* من الفترة التى قامت الولايات المتحدة فيها بالحرب فى ڤيتنام، نمت الحركة المناهضة للحروب فى الولايات المتحدة، وانضم للحركة العديد من العسكريين. أولئك العسكريون اشتركوا مع أخوتهم المدنيين فى التعبئة العامة ضد الحرب. فضخوا الأكاذيب التى كانت تروجها وزارة الدفاع الأمريكية للدعاية للحرب، دون أن يتهمم أحد بنشر أسرار عسكرية أو الإساءة لسمعة الپنتاجون. بل أن العسكريين فى أثناء أجازتهم كانوا يستأجرون طائرات خاصة ويطيرون فوق المناطق العسكرية الأمريكية، ويلقون بمنشورات يدعون فيها زملائهم العسكريين لحركتهم المطالبة بإيقاف حرب ڤييتانم. لم يحاكمهم أحد بتهمة الطيران فوق منطقة عسكرية، ولم يقل أحد أنهم يمارسون عمل سياسى، فهم كانوا يقومون بعمل أخلاقى يصب فى صالح أمريكا، ولم يكونوا يسعون للوصول للسلطة. وأمريكا كدولة ديموقراطية لا تعرف المصطلحات الفاشية الموجودة فى قانون الأحكام العسكرية المصرى من نوعية ”البلبلة – الفتنة...“ وغيرها من السخافات.
حرب ڤيتنام كشفت ظاهرة أخرى، وهى رفض المدنيين للخدمة فى الجيش (التجنيد الإجبارى)، ورفض العسكريين لتنفيذ أوامر عسكرية ضد الڤيتناميين. أولئك الرافضون أعتبروا أن القيام بحرب ضد شعب برىء هو عمل غير أخلاقى، ورفضوا الاشتراك فيه. أمريكا وقتها لم تتقبل هذه السلوكيات، وتعرض أولئك المعترضون للسجون لفترات طويلة، لكن لم يصنف أحد هذا الرفض على أنه عمل سياسى، ولم يتم تخوين أحد أو اتهامه بالعمالة. وبعد سنوات قليلة أدركت الإدارة الأمريكية خطأها، وانسحبت من الحرب، وألغت التجنيد الإجبارى، وأصبح لأولئك الرافضون الفضل فى تجنيب الشعب الأمريكى لويلات حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

النموذج الثانى: إسرائيل
إسرائيل دولة ديموقراطية، لكن حالة الحرب المستمرة التى تعيشها إسرائيل خلقت حالة من تضخم المؤسسة العسكرية، لكن هذا لم يجعل إسرائيل تلغى الفصل بين العمل الوطنى والعمل السياسى، ولازال العمل الوطنى مباح للإسرائيليين العسكريين دون العمل السياسى.
* عام 1977 تبنى الرئيس أنور السادات مبادرة سلام نحو إسرائيل، وكانت زيارة السادات للقدس/أورشليم بهدف التأكيد على جدية السادات. مناحم بيجن رئيس وزراء إسرائيل لم يكن يرغب فى سلام، لم يستطع أن يرفض زيارة السادات لأن هنا كان سيئ لصورته (أى بيجن)، لذلك قرر بيجن تطفيش السادات. بعد ساعات قليلة من وصول السادات للقدس، تحدث بيجن بطريقة سخيفة مع السادات وقال له ”بصراحة أنا لا أثق فيك ولا فى أى كلمة تقولها“ وانصرف تاركاً السادات. السادات استشاط غضباً، وأعطى أوامر بتجهيز الطائرة الرئاسية للعودة لمصر صباحاً، وبالتالى إلغاء زيارة السادات للمسجد الأقصى. فماذا حدث بعدها؟
      أولا: خطاب موقع من 1500 ضابط بجيش الدفاع الإسرائيلى، يطلبون من بيجن قبول مبادرة السادات السلمية. تخيلوا 1500 ضابط (وليس مجند) أى نسبة ضخمة من ضباط الجيش، يوقعون رسالة يطلبون فيها من رئيس وزرائهم قبول مبادرة السادات الذى حارب إسرائيل فى 1973، وهى الحرب التى فقد فيها أولئك العسكريين زملائهم.
      ثانياً: عزرا ويزرمان (وزير الدفاع الإسرائيلى) اصطحب معه أحد قيادات الجيش الإسرائيلى، وذهبوا وقتها لمنزل بيجن، وسهروا معه طول الليل يقنعوه بقبول مبادرة السادات السلمية، ولم يتركوه حتى الصباح، وأحضروا معهم بيجن ليعتذر للسادات.
فى الصباح وجد السادات بيجن قادماً له ويقول ”لقد قررت أن أقبل مبادرتك تحت ضغط أولئك الضباط، لأنهم هم الذين سيدافعون عن إسرائيل لو لم تلتزم بالسلام“. فهل يمكننا توصيف ما فعله أولئك الضباط أنه عمل سياسى؟ بالطبع لا، فهم لم يكونوا يسعون للسلطة، وأنما قاموا بعمل وطنى إنسانى أتى بالخير لكل من مصر وإسرائيل. لم تقم إسرائيل بمعاقبة أى من أولئك الضباط، لأن إسرائيل دولة ديموقراطية تفرق بين العمل السياسى والعمل الوطنى.

مصر... هل فهمنا العمل الوطنى والعمل السياسى جيداً؟
- قبل انقلاب 1952، كانت مصر بها ديموقراطية حديثة، وكان لديها جيش صغير لا يتدخل فى الحياة السياسية، ولا يقمع السياسيين، وفى نفس الوقت يشارك العسكريين فى العمل الوطنى سواء ضد الاستعمار أو من خلال التصويت فى الانتخابات العامة.
- فى يوليو 1952، ظهر فجأة مجنوعة من ضباط الجيش، وارتكبوا أكبر جريمة محظورة على العسكريين وهى ”السعى للوصول للسلطة“. استخدم أولئك الضباط السلاح الذى دفع ثمنه المصريون ضد حرية الشعب المصرى. وفى ثانى يوم لانقلابهم (أى 24 يوليو 1952) كان مجلس قيادة الثورة يصوت بالأغلبية على حكم مصر بأسلوب دكتاتورى.
- عصابة يوليو أدركت أنها قامت بعمل سياسى، وأن زملائهم العسكريين لو فعلوا نفس الشىء، فإن انقلاب قريب قد يطيح بهم (وهم ما حدث نسبياً فى سلاح الفرسان فى أزمة مارس 1954)، لذلك أخذ ضباط يوليو يجرمون كل عمل وطنى داخل الجيش، ومنعوا العمل الوطنى عن العسكريين، وأصبح محظوراً على العسكريين الظهور فى الأماكن العامة، وأى عسكرى يشتهر ويحبه الشعب يقصونه بسرعة، وطوروا أجهزة المخابرات العامة (على يد صلاح نصر)، والمخابرات الحربية (على يد شمس بدران) ليتجسسوا ويراقبوا كل العسكريين ليضمنوا أن أياً منهم لا يفكر فى تكرار نفس جريمتهم والانقلاب عليهم.
- عبد الناصر لاحظ أن ضابط الجيش حينما يتقاعد ويرشح نفسه فى الانتخابات، فأنه يكسب أصوات أصدقاؤه وتلاميذه العسكريين، فقام عبد الناصر بتعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية ليمنع العسكريين من التصويت فى الانتخابات. مع أن التصويت فى الانتخابات عمل وطنى وليس سياسى، لأنه عمل لا يهدف للوصول للسلطة.
- طوال الستة عقود الماضية، ارتكبت المخابرات الحربية والشرطة العسكرية فظائع تجاه العسكريين الذين حاولوا القيام بأى دور وطنى. بل أن الهوس وصل بالشرطة العسكرية لتطبيق حازم لقانون ”حظر الترجل“ وأصبح العسكرى معرض لعقوبات شديدة لمجرد أنه سار فى الشارع بزية العسكرى.
- بدأت ثورتنا 25 يناير 2011، وصدرت التعليمات للجيش للنزول للشوارع مساء يوم الجمعة 28 يناير 2011، قماذا حدث؟
      أولا: بعض أفراد الجيش (مثل الرائد أحمد شومان) انضموا للثور بشكل سلمى، لم يكن أحداً منهم راغباً فى الوصول للسلطة، وإنما دفعتهم رغبتهم الوطنية فى رئية مصر فى حال أفضل.
      ثانيا: فى 11 قبراير 2011، قامت قيادة الجيش بانقلاب عسكر، وألقت القبض على رئيس الجمهورية، واستولت قيادة الجيش على السلطة. وادعت وقتها قيادة الجيش أنها ستسلم السلطة لقيادة مدنية منتخبة فى خلال 6 أشهر، ومرت هذه الشهور بدون أى تقدم يذكر نحو تسليم السلطة لسلطة مدنية منتخبة.
فماذا كانت النتيجة لهذه التصرفات؟ الضباط الذين انضموا للثورة (وهو عمل وطنى) تعرضوا لمحاكمات عسكرية ظالمة وسجنوا فى السجن الحربى، رغم أنهم لم يمارسوا عمل سياسى، وحتى ممارسة العمل السياسى فى الدول الديموقراطية عقوبتها الفصل من الخدمة وليس السجن أبداً... بينما من قاموا بالانقلاب وسعوا إلى السلطة وسيطروا عليها، بقوا بدون عقاب، بل تسوعوا فى السلطة وجمعوا الثلاث سلطات بين أيديهم (تنفيذية وتشريعية وقضائية) فهم الذين يصدرون القوانين، وهم الذين يصدرون الأوامر التنفيذية وهم الذين يحاكمون معارضينهم أما القضاء العسكرى.

إن ما قام به المجلس العسكرى هو العمل السياسى المحظور والذى يقابل بالعقوبة فى الدول الديموقراطية. بينما ما فعله العسكريين الثوار هو عمل وطنى لا تحظره أى من الديموقراطيات. وبالذبط كما لم يتم معاقبة أى من القضاة الذين اشتركوا فى الثورة، رغم أن القضاة محرم عليهم العمل السياسى، لأن الثورة ليست عمل سياسى وإنما عمل وطنى، كذلك يجب ألا تتم معاقبة أى من الضباط الذين انضموا للثورة.

إهداء
من محبسى هنا فى سجن المرج العمومى، أهدى هذا البحث المصغر لأخوتى الضباط الثوار المسجونين فى السجن الحربى، أعلن تضامنى معهم ومع كل شريف داخل المؤسسة العسكرية، وأشارك جهود أخوتى الثوار من أجل إطلاق سراحهم. فتحية لنضالهم وتضحياتهم

                              مايكل نبيل سند
                              سجن المرج العمومى – عنبر 2 ع
                              4/8/2011

No comments: