Thursday, June 9, 2011

القضاء العسكرى... كتيبة إعدام


* أول مرة وصفت فيها القضاء العسكرى بأنه كتيبة إعدام، كان فى مارس 2010، وقت محاكمة المدون أحمد مصطفى، بنفس تهمتى ”نشر معلومات كاذبة بهدف الإساءة لسمعة المؤسسة العسكرية“... ووصفتها بهذا الوصف بناء على ملاحظة أننا منذ انقلاب يوليو 1952 وحتى محاكمة أحمد مصطفى، لم نسمع عن شخص حوكم عسكريا وحصل على براءة، فالبراءة ليست من ضمن الخيارات المتاحة أمام القضاء العسكرى... ووصفتها بأنها كتيبة إعدام وليس محكمة تفتيش، لأن محاكم التفتيش تفتش فى حياتك لتبحث عن شىء تعاقبك عليه، بينما كتيبة الإعدام لا تحتاج أن تبحث لديك عن سبب للعقاب، فهى كفيلة أن تضع لك الأدلة وتنهى كل الإجراءات فى سبيل القيام بمهمتها المقدسة ”تصفية الأعداء“.
* القاضى الذى حكم علىّ، أو بتعبير أدق ”الذى نطق الحكم ضدى“ باعتبار أن الحكم صدر من جهات أعلى... هذا القاضى أثناء النقاش حول تفاصيل قضيتى، تعرضنا لقصة الفتيات اللاتى تم القبض عليهن من التحرير، وتم إجراء كشف عذرية إجبارى عليهن فى السجن الحربى... القاضى العسكرى هذا، قال أن الفتيات قالوا له أن السجن الحربى فعل ذلك فعلا، ثم عقب القاضى قائلا بأنه أشفق عليهن فحكم على كل منهن بسنة حبس مع إيقاف التنفيذ! فالشفقة والرحمة فى عرف القاضى العسكرى ليست البراءة، وليست تحويل إدارة السجن الحربى للمحاكمة، ولكن معاتبة الضحايا وإهانتهم، ولا عجب فى ذلك، فهذا هو الدور الطبيعى للقضاء العسكرى ككتيبة إعدام.
* كنت قد أرسلت شكاوى للمدعى العام العسكرى مرتين، بسبب انتهاكات أفراد القوات المسلحة ضدى... الأولى كانت فى نوفمبر 2010 بعد اختطافى على يد الشرطة العسكرية من منزلى وإهانتى أمام جيرانى، والثانية بسبب القبض علىّ يوم 4 فبراير والاعتداء علىّ بالضرب والتحرش الجنسى على يد الشرطة العسكرية والمخابرات... وفى الحالتين لم تقم النيابة العسكرية باستدعائى لفتح تحقيق حول الشكاوى، بل أن الخطاب الأول (الخاص بحادثة نوفمبر 2010) تم إرجاعه لى على الرغم من أنه تم استلامه وعليه أختام البريد الحربى... بل أن المضحك المبكى أنى أرسلت الشكوى الثانية ضد المخابرات فى 22 فبراير 2011، ليصل البريد للمدعى العام العسكرى بعد ثلاثة أيام، أى فى 25 فبراير 2011، وبدلا من أمر المدعى العام العسكرى بفتح تحقيق مع ضباط المخابرات الحربية حول اتهامى لهم، قام فى نفس اليوم (25 فبراير 2011) بإصدار إذن النيابة للمخابرات بمراقبة مدونتى للتحضير لمحاكمتى.
* محاكمتى أيضا شملت الكثير من النقاط الفاضحة... فأنا مثلا تم التحقيق معى أمام نيابة عسكرية ثم قاضى عسكرى، كلاهما لا يستطيعان التحدث بالإنجليزية ولا يمتلكون أى معرفة بالإنترنت، ومطلوب منهم أن يحكموا فى قضية نشر إلكترونى... ملحمة عبثية بلا شك، فالقاضى مثلا كان يخلط بين الإنترنت والفيسبوك ولا يدرك الفرق بين الإثنين... وسلملى على العدالة.
* المحاكمة أيضا كانت سرية، ممنوع على الصحفيين والإعلاميين حضور جلساتها، وتم منع العديد من المحامين من دخول المحكمة العسكرية، ولم يسمح لهيئة الدفاع عنى بتصوير ملف القضية إلا قبل الرفعة بـ 48 ساعة، ثم اكتشفت بعد ذلك أنه تم إعطائهم نسخة مختصرة من التحقيقات معى (صفحتين فقط) بينما كانت تحقيقاتى أمام المدعى العام العسكرى فى حوالى 20 صفحة... فكيف لهيئة دفاع أن تترافع فى قضية لا تعرف تفاصيلها؟ أليس هذا انتهاكا لحقى فى الدفاع عن نفسى وحقى فى محاكمة عادلة؟
* محقق النيابة العسكرية (أو المدعى العام العسكرى، بتعبير أدق) كان يناقشنى فى موضوعات لا يحق له مناقشتها فى تحقيق رسمى؛ فهو مثلا حقق معى حول موقفى من لجنة طارق البشرى للتعديلات الدستورية، وعن إذا ما كنت رفضت تلك التعديلات (هل رفض التعديلات جريمة؟)، وعن إذا ما كان الإسرائيليون يحبوننى (وهل محبة شعب أجنبى تهمة؟)، وحول علاقتى بأبى وأسرتى، وعن معتقدى الدينى وإذا ما كنت مسيحيا أم ملحدا، ولى سلسلة طويلة من الموضوعات التى أشعرتنى أنى أمام محكمة تفتيش، وليس أمام تحقيق رسمى فى دولة قانون.
المحقق ذاته كان لديه العديد من التهم الجاهزة ضدى، فهو أطلعنى على مستند يشير إلى قيامى بسب [المشير] طنطاوى، ولكنه قال لى أنه لن يضع هذه النقطة ضمن الاتهامات... ثم قال لى أن تحريات المخابرات العسكرية تؤكد أنى ملحد، وأن كونى ملحد هو شىء يؤدى لبلبلة فى المجتمع، وهذا يخالف القانون ويستدعى التحقيق، ولكنه أيضا لن يضيف هذا الاتهام لملف القضية... لك أن تتخيل ماذا كان شعورى وأنا أرى النيابة العسكرية لديها العديد من التهم الجاهزة ضدى، وأنها تختار لى من بينها حسب الهوى والتعليمات!
* القاضى الذى نطق الحكم ضدى، رفض أن يسمح لى بإحضار شهود يساندونى فى القضية... فالجيش اتهمنى بترويج إشاعات، وحينما طلبت استدعاء شهود عيان يؤكدون أن هذه الأخبار المنشورة هى أحداث حدثت فعلا وليست إشاعات، رفض القاضى أن يسمح لى بإحضار أولئك الشهود لإثبات براءتى... بل أنه سمح بشاهد وحيد فى قضيتى، وهو الضابط المسئول عن ملفى فى المخابرات الحربية، وهو نفسه الذى أعد ملف قضيتى، ولكن القاضى استدعاه بصفته خبير فنى، مع أن قواعد المنطق والعدالة تقول أن الخبير الفنى يجب أن يكون طرفا محايدا، وليس عدوى الذى أعد القضية ضدى.
* قضيتى أشتملت على عشرات الفضائح الأخرى، التى يطول الحديث عنها هنا، والتى سأكشف عنها كلما كان هذا متاحا لى... لكن فى النهاية أريد أن أقول لقرائى أنى طول فترة المحاكمة كنت أبتسم استمتاعا بالمسرحية الدائرة أمامى؛ فأنا كنت أدرك أنى لست أمام محاكمة أصلا، وأن الحكم صدر ضدى قبل القبض علىّ. كنت أستمتع بمتابعة الكومبارس وهم يؤدون أدوارهم، وأنا أعلم أن أبطال المسرحية الحقيقيون يجلسون فى مكاتبهم فى كوبرى القبة.
                                                        سجن المرج العمومى – القليوبية
                                                        30/5/2011
                                                        عنبر التجربة – زنزانة 18

No comments: