Tuesday, June 7, 2011

الإساءة لسمعة العاهرة

* The article in English: Offending a Whore’s Reputation

      أمس، أرسلت لى مصلحة السجون مندوبا ليعلمنى بالتصديق على الحكم الصادر ضدى من المحكمة العسكرية بالسجن لثلاث سنوات، بتهمة الإساءة لسمعة المؤسسة العسكرية.
حينها شعرت للمرة الألف بمهزلة سمعة العاهرة... شعرت أنى متهم بالإساءة لسمعة عاهرة، رغم أن العاهرة هى التى تسىء لنفسها وسمعتها بعهرها. ولأن الطبيعى أن يجنى الفرد ثمار أعماله، فمن الطبيعى أن تكون للعاهرة سمعة كأفعالها... فكيف تقاضينى العاهرة بتهمة إساءة سمعتها، بينما عهرها هو الذى أساء إليها ولست أنا؟
الجيش أيضا يفعل نفس الشىء... فالجيش لا يجد عيبا فى اختطاف النشطاء من منازلهم، ولا مشكلة لديه فى أن يفض الاعتصامات السلمية بالقوة، ولا يضايقه ضميره من أن يجرى اختبارات عذرية إجبارية لثائرات بريئات تم القبض عليهن من ميدان التحرير. لا يشعر بالحرج حينما يحصل على ثلث موازنة الدولة (حوالى 100 مليار جنيه) رغم مرور مصر بأزمة اقتصادية، وهذه الميزانية الضخمة لا تخضع لأى نوع من الرقابة أو الشفافية أو المحاسبة. الجيش ليس لديه أى حساسية من القبض على شباب الثورة وتعذيبهم وتلفيق التهم لهم ومحاكمتهم محاكمات عسكرية غير عادلة... كل هذا فى نظر الجيش أشياء لا تسىء لسمعة المؤسسة العسكرية، وأنما أن يقوم ناشط بنشر أدلة توثق هذه الانتهاكات، فهذه فى نظر الجيش إساءة تستحق الثورة، وتستحق أن تستهلك وقت المخابرات الحربية، وأن ينظرها مكتب المدعى العام العسكرى (وليس النيابة العسكرية).
      لقد اعتاد الجيش أن يعطى لنفسه ورجالة كل أصناف الحصانة القانونية، فالجيش تحميه ترسانة ضخمة من القوانين المقيدة للحريات والحقوق المدنية، بداية من قانون حظر نشر أى معلومات عن القوات المسلحة، إلى الفقرات بقانون العقوبات التى تجرم الإساءة لسمعة مؤسسات الدولة، إلى قانون القضاء العسكرى الذى يعطى للنيابة العسكرية والشرطة العسكرية والمخابرات والقضاء العسكرى صلاحيات مهولة تبدأ بالقبض على أى مواطن مصرى، و مراقبة اتصالاته ومحاكمته عسكريا، ويمكنها أن تحكم بإعدامه حكما غير قابلا للطعن أو النقض أمام المحاكم المدنية... وفوق كل هذا، فالعسكريون لا يحاكمون أمام القضاء الطبيعى، لنصل إلى النهاية السخيفة بأن ضابط الجيش يحاكم أمام قاضى زميله أو تلميذه، فى أعجب مظاهر العبثية فى جعل سلوكيات العسكريين خارج إطار المحاسبة.
الظريف أن كل هذه الطرق التى تحصن العسكريين هى إثبات فى حد ذاتها أن هناك شيئا (أو أشياء) كريه الرائحة داخل المؤسسة العسكرية... فالمسيح كان ضد وصف الأشرار بأنهم ”أجبوا الظلمة لأن أعمالهم كانت شريرة“، فالطبيعى أن الشرفاء وغير الفاسدين يرحبون بالشفافية والعلانية لأنهم لم يرتكبوا شيئا يخافون من انكشافه، بينما المؤسسة العسكرية بإصرارها على عدم خضوع ميزانيتها لرقابة البرلمان أو الجهاز المركزى للمحاسبات، وألا تمر صفقات السلاح على البرلمان، وألا يُسمح للنيابة العامة بتفتيش المناطق العسكرية، وألا تعاد محاكمة المحكوم عليهم عسكريا أما القضاء المدنى؛ كل هذه القيود تؤكد أن هناك سلوكيات وممارسات عديدة تخشى المؤسسة العسكرية من انفضاحها أمام الرأى العام.
أعود أيضا لتهمة ”الإساءة لسمعة القوات المسلحة“، وهى تهمة سخيفة مضحكة، لا نسمع عنها فى أى دولة ديموقراطية تملك قواتا مسلحة وليس عصابات مسلحة. فى إسرائيل، لم يوجه أحدا أى اتهام لفريق عمل فيلم ”روح شاكيد“ رغم أن الفيلم – والذى تم عرضه على التليفزيون الإسرائيلى – اتهم الجيش الإسرائيلى بارتكاب جريمة حرب (قتل أسرى حرب)، فالقانون فى إسرائيل يجرم نشر الأسرار العسكرية، لكنه لا يجرم فضح انتهاكات حقوق الإنسان، سواء كان مرتكب هذه الانتهاكات مدنى أم عسكرى. وفى الولايات المتحدة الأمريكية، لم نسمع أحدا يصدر اتهامات بالإساءة لسمعة الجيش الأمريكى حينما تم نشر صور انتهاكات الجيش الأمريكى فى سجن أبو غريب أو معتقل جوانتانامو بكوبا... لا أعرف لماذا يكون الجيش المصرى حساسا لهذه الدرجة على سمعته، أكثر من الجيش الأمريكى أو الإسرائيلى؟ ولكن هذه هى طبيعة الأمور، فالعاهرة دائما أكثر عنفا دفاعا عن نفسها، لأن العاهرة أفعالها تدينها، وتخشى الحديث حول أفعالها لئلا تدان.
فى الإنجيل، وردت قصة الخنازير التى أصابها الجنون، فراحت تجرى لتلقى بنفسها فى البحر. حاول الرعاة أن يمنعوها، فلم يستطيعوا. وفى النهاية ماتت الخنازير... الجيش أيضا يفعل نفس الشىء، ويصر بجنون أحمق على أن يستعدى الناس ضده، ويفتح الأعين على ممارساته الخاطئة، ولا يستمع لأى نوع من النصائح التى تحذره من الجرى تجاه نهايته... فى النهاية، قد فعلنا ما يتوجب علينا فعله؛ وما يرضى ضمائرنا، وعلى الجيش أن يجنى ثمار أفعاله.
                                                                    مايكل نبيل سند
                                                                    سجن المرج العمومى
                                                                    عنبر التجربة – زنزانة 18
                                                                    23/5/2011
* ملحوظة: استخدامى لمصطلح ”العاهرة“ فى هذا النص لا يعنى بأى شكل أنى ضد الحريات الجنسية، ولا يعنى أنى أنظر بطريقة سلبية للأفراد المتحررين جنسيا (ذكورا أو إناث)، ولكنى بالتأكيد ضد الخيانة، وأعتبرها عهرا. كما أفترض أن يتقبل الناس نتائج السلوكيات التى يختارونها.

No comments: