Tuesday, May 3, 2011

بين السجن والدير

هل قلت لكم من قبل اني في الماضى كنت اريد ان اصبح راهبا؟ هذا حقيقي, ففي صيف 2006 كنت اتردد علي الاديرة , اقضي اسابيع في الصحراء وسط ظروف بيئية صعبة, أعيش علي الحد الادني من الطعام و النوم , و اشرب المياه المالحة , و الكهرباء لا تتوافر الا بضعة ساعات فقط في اليوم.
في السجن اشعر أني في الدير, لدرجة اني اخطئ كثيرا في كلامي و اقول "الدير" بدل "السجن", و اقول "القلاية" بدل "الزنزانة", و اقول "رئيس الدير" بدل من "المأمور"… و هكذا… لا أدري ما سبب هذا الاحساس , هل هو طبيعة الحياة القاسية هنا؟ ام ان المكان في السجن بين مساحات مفتوحة واسعة شبيهة بالدير وسط الصحراء.
ظباط المخابرات كانوا يتهكمون علي و يقولون أني "شاب بسكوتة", هم لا يدركون الفرق بين الميوعة و القدرة على التحمل, و المرض و الحالة الصحية, و بين مطالبة الإنسان بحقوقه الإنسانية التي كفلتها مواثيق دولية أرقي من أن تعبث بها أصابع العسكر الملطخة بالدماء.
هنا ليس مطلوبا مني أن أكافح الزحام في شوارع القاهرة, و لا قنابل الغاز في التحرير, و لا عساكر الأمن المركزي عند دار القضاء, و لا الهاكرز المأجورين, و لا السياسيين الذين يضحون بالوطن من أجل مصالح شخصية ضيقة… هنا الشخص يناضل لكي لا تصيبه هراوات الشرطة, أو أسلحة المساجين… هنا الشخص يكافح لكي يحمي نفسه من الجرب والدوزنتاريا و التينيا و غيرها من عشرات الأمراض المنتشرة هنا في ظل زنازين لا تدخلها الشمس و لا توجد بها الحدود الدنيا من الحالة الصحية المناسبة… هنا تصبح رؤية ضوء الشمس حلما و أمنية, باعتبار أن الزنازين قد تظل مغلقة علينا لفترات تصل إلى 3 أيام متواصلة… هنا نسخة من جريدة يومية هو كنز يحدث علية صراع أو تخشى عليه من السرقة.
مثل الدير أيضا, هنا لا أرى النساء… أسابيع مضت منذ إلقاء القبض علي لم أرى فيها سيدات, إلا محامية محجبة في المحكمة العسكرية, و صديقة زارتني في السجن… كنت أتمني أن تكون هناك سيدة محامية بين فريق الدفاع عني, ليس لأني أريد أن أرى سيدة, و لكن لأني أعلم أن العسكريين لا يحبون إعطاء أدوار محترمة للمراة, و أنا لا يسعدني شيء في الكون أكثر من إغاظة العسكريين… في الدير كنا نري زوار الدير من الجنسين كل يوم حتي و إن لم نتعامل معهم على المستوى الشخصي, بينما في السجن لا يحدث هذا… بعد خروج كريم عامر من السجن, كنا قد تناقشنا نقاش مطول على صفحتي على الفيس حول فكرة إختلاط السجون, حيث كنت أرى أن السجون لابد أن تكون مختلطة بينما هو كان يرى العكس… بغض النظرعن أي نقاش ايديولوجي, يوميا أسال نفسي, هل سأتعامل بسهولة مرة أخرى مع الإناث بعد شهور أو سنين لا أتعامل فيهم إلا مع الذكور؟
لكن يجب ألا يظن أحد على أن الحياة في السجن مثل الحياة في الأديرة… فالرهبان – حسب علمي – لا يقيمون حفلات تعذيب لرواد الدير, و لا يضيقون عليهم حياتهم للحصول علي إتاوات و رشاوي, و لا يسبون الدين و لا يمضمضون أفواههم بالشتائم الجنسية… الرهبان أيضا لن يتركونك لأيام طويلة تطلب زيارة الطبيب بينما هم يتجاهلونك معرضين حياتك للخطر, لإنشغالهم بجمع الإتاوات و خدمة لأصحاب الوسائط و مساجين الدرجة الاولى.
أعلم أني لم آتي إلى هنا بحريتي. و لكن حينما أفكر في قضيتي أشعر أني أنسب الأشخاص لتحمل هذه المتاعب. فبعد عدة محاكمات لمدونين شبان ساندتهم في الماضي أدرك كم هي القوة المطلوبة من الشخص ليستطيع تحمل هذه التجربة. أنا أستطيع أن أمر بهذه الفترة و أجتازها بقوة, و أخرج منها قادرا علي استكمال نضالي نحو السلام و اللاعنف و حقوق الإنسان. كنت طول عمري أتطوع للإشتباك مع العسكر في أي قضية حقوقية, فهل سأنسحب حينما تكون المعركة معركتي؟

سجن المرج العمومي – القلبوبية
3/5/2011

1 comment:

ابراهيم said...

انا اتفق معك يا مايكل فى ضرورة الوحدة ونبذ الاختلاف بين طبقات الشعب واحييك على حسن تفكيرك ودقة تعبيرك الا اننى اتعجب كيف ان انسان له عقل مثل عقلك يدين بالالحاد الذى هو انكار وجود اله بتاتا رغم ان الادلة العقلية كثيرة ولا نهائية على وجود خالق لهذا الكون ومدبر لشئونه وهناك كتب تشرح وتؤكدهذا الموضوع لماذا اغفلتها فى قرائاتك وثقافاتك العالية رغم انه لا تنقصك معرفة لغات حيث انك تعرف اكثر من لغة وعلى ثقافة واطلاع على كتب كثيرة....اتمنى ان تقرا كتاب(تعالوا نعيد النظر فيما نعتقد)للكاتب حسن يوسف واتمنى ان تصل رسالتى اليك. واخيرا اتمنى ان اراك حرا طليقا فى بلد حرة طليقة مدنية ديموقراطية لا يحكمها الا من اختاره ابناؤها ومتضامن معك فى ارائك